#adsense

عين فارس على مصر تاريخ هل يعيد نفسه؟!

حجم الخط

عين فارس على مصر تاريخ هل يعيد نفسه؟!

كثرت الدعوات من داخل لبنان تحت عنوان معالجة قضية خلية حزب الله في مصر برويّة وهدوء وبعيداً عن الإعلام، وبعض هذه التبريرات تثير علامات استفهام حول جديتها إذ سمعنا كلاماً قيل بأن هذا الأمر "كان يجب أن يبقى مستوراً"!! وبصرف النظر عن دعوات "السَّتر" هذه، يستوقفنا القول بأنّ مصر ضخمت الموضوع!! ويستوقفنا أيضاً "تفاهة" الرأي الذي أشار إلى تراجع دور مصر لصالح شبه دولة هي "قطر"، وأنها محتاجة لهذه "الهلولة" الإعلامية لأنها تعاني عجز انحسار دورها الإقليمي التاريخي، و"تهافت" هذا الرأي تأتي نواقض صوابه من داخله، فإذا ما كان الدور المصري متراجعاً ومنحسراً لمَ إذن كانت كلّ الحملات الإيرانية الشعواء على مصر تحديداً ومنذ ما قبل حرب غزّة، وما قبل حرب تموز أيضاً"، ولمَ محاولات التغلغل هذه في داخلها والرغبة والإصرار على إنشاء حدود إيرانية فيها لها خلفية داعمة من "حماس" لتؤمن إمكانات اختراق الحدود المصرية ثمّ فرض إيران كأمر واقع على مصر!!

أما الحديث عن الموضوع وكأنه "حادثة" بسيطة لم تكن تستحق كلّ هذا التضخيم، والإعلان المتكرر عن عدم الرغبة في معالجتها أو الحديث عنها عبر الإعلام، فليس لأن القضية صغيرة بل لأن الاعتراف الإعلامي المتفاخر بهذا التورط تسبب في اهتزاز صورة أصحابه وبلسانهم ويدهم!! أما عن كون القضية صغيرة، فنودّ فقط التساؤل: ما دامت القضية صغيرة، لماذا إذن يطلق كبار المسؤولين الإيرانيين، بدءاً من علي لاريجاني وموقعه كرئيس للبرلمان، ثم وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي، دفاعاً شديد الضعف ولم يجدا ما يبررا به اتهامات مصر لحزب الله، سوى التأثير في الانتخابات النيابية في لبنان، ومن دون أن يوضحا لنا "كيف"!!!

ثم لماذا إيران كدولة تزج بنفسها في خلفية الصورة المصرية الآن، طبعاً تعريف "صداقة" لا ينطبق أبداً على العلاقة بين الحزب وإيران فبعيداً عن "الاستتار" بالولاء العقائدي، ثمة ميزانية خاصة وكاملة وقد تعادل ميزانية دولة تخصصها إيران سنوياً لحزب الله ومؤسساته، هذا عدا عن الكلفة العسكرية وكلفة السلاح، وصاحب المال والتمويل هو صاحب الفعل عملياً، هذا عدا عن الالتحاق الكلي السياسي والعسكري والاستخباراتي للحزب بإيران، خصوصاً منذ افتخر رأس الحزب بأنه جندي في "ولاية الفقيه"، وكلمة "جندي" هذه اختصرت على الكثيرين جهود التدليل والتحليل، فالجندي عامة "ينفّذ" ولا يعترض، وفي دولة "ولاية الفقيه" يفتخر بذلك!!

هذه التبعيّة نفسها تجرّ نفسها على حماس، ومشهد التبعية هذا ليس محتاجاً إلى كثير كلام، ففور انتهاء مذبحة غزّة، كان خالد مشعل يتلقّى مكافأته في طهران على نجاحه في سوق الشعب الفلسطيني بأطفاله ونسائه إلى مذبحة، لا لضرب إسرائيل بل لضرب صورة مصر والشوشرة عليها وممارسة كلّ أنواع الإهانات والتحريض ضد قيادتها، التي بلغت حدّ التحريض في حملة صحافية غير مسبوقة في تاريخ العلاقات بين الدول بأن تحضّ دولة على قتل رئيس دولة أخرى، هكذا حضّت إيران على قتل الرئيس المصري، أي أن قراراً إيرانياً صدر بإعدام الرئيس المصري وهو معلن وعبر الصحف، وتهمة هذا المشروع هي الخيانة وجاهزة ونغمة معروفة، فمصر حالياً وقيادتها تقف سدّاً منيعاً يحول دون تحقيق أي خطوة إضافية في المشروع الإيراني، الذي بات محاصراً سواءً في لبنان بالـ1701 أو في غزّة بهدنة عام ونصف ومأسوية الواقع الإنساني الذي تسبّبت به حماس وإيران عندما استدرجا عدوان عدو مجرم عليها، ومهما بدت على هذا المشروع علامات القوة والاستشراس، لقد أصبح بعد محاصرته في منطقتا سيطرته "نمراً هائجاً" لكنه "محبوس في قفص"، والعائق الحقيقي الآن باتجاه أي تقدم هو: مصر..

وإيران دولة تقرأ التاريخ جيداً، إلا أن مشكلتها الحقيقية أنها تحاول أن تعيده، ومشكلتها الأكبر أنها لا تتعلّم من أخطائه!! لا يُقرأ واقع مصر اليوم ومحاولة اختراقها أمنياً ومخابراتياً، بعدما تمت بنجاح خطوة "اختراقها شعبياً" عندما "سكر" المصريون البسطاء وهللوا لحرب تموز ونصرها المزعوم فيما كان اللبنانيون يدفعون من دمائهم وأرزاقهم وحياة أولادهم ثمن حساب حقل عملية خطف لم تطابق نتائجه حساب بيدر الثمن!!

ولأن إيران تقرأ التاريخ جيداً، فهي تستعير هذه المرة "حركة تمدّد الخلافة الفاطمية" ومحاولاتها المتكررة للسيطرة على مصر والتي استمرت 4 سنوات، وكانت كلما واجهت فشلاً ازدادت إصراراً على تكرار المحاولة!! جاء "الفاطميون" الذين شقّوا صفّ المسلمين وعصا طاعة الخلافة، وأسّسوا لأول انقسام في الخلافة الإسلامية فأصبح هناك خليفة في بغداد وآخر في القيروان جالس يترقّب لحظة الانقضاض على مصر، وللصدف التاريخية كانت الخلافة العباسية في بغداد واهنة، وبغداد اليوم سقطت في اليد الإيرانية وبالسلاح الأميركي "المتواطئ"!!

وفي ذاكرة التاريخ أن المعز لدين الله الذي قدم بخلافته من المغرب إلى القاهرة عام 969 م، حمل معه توابيت آبائه ومن سبقه من الخلفاء (المهدي، القائم، المنصور) وكان أول إنجازاته منع إقامة "صلاة التراويح" في شهر رمضان، وإجراء تعديلات على "أذان الفجر" فحذف منه "الصلاة خير من النوم" وأضاف عليه "حي على خير العمل، محمد وعلي خير البشر"، أما تتبّع حركة جيوش الفاطميين وتمددهم بعد استيلائهم على مصر فبعد السيطرة عليها انطلقت جيوش الخليفة الفاطمي نحو الحجاز، وأصبحت "مكّة المكرمة" و"المدينة المنورة" تحت هذه السيطرة، بعدها انطلقت الجيوش باتجاه بلاد الشام وفلسطين وسيطرت عليها.. هذه المرة، أخطأت إيران في قراءة التاريخ فبدأت بالخطوة الثالثة قبل الأولى، وحتى الآن سيبقى كل ما فعلته إيران للسيطرة على الشرق الأوسط والخليج العربي لا قيمة له ما لم تستطع السيطرة على مصر.

وللأسف ثمّة بسطاء مصريون لا يقرأون التاريخ ولا يعرفون تاريخ مصر وطنهم!! أما يد العون والدعم للخلفاء الفاطميين في مصر في مواجهة خليفة المسلمين في بغداد، فسنعثر عليها في زلة لسان "جورج بوش" يوم أطلق على حروبه الغبية وصف "الصليبية" ـ ولا أعني هنا بالصليبية المسيحية، فالمصطلح مستعمل بحسب استخدامه التاريخي ـ كان "الصليبيون" تاريخيّاً حماة وداعمي الفاطميين، أما وزراؤهم، فكان وزير الخليفة الفاطمي "العزيز" اليهودي يعقوب بن كلّس، وإليه أوكل مهمة تعليم الناس فقه "الطائفة الإسماعليّة"!!

عندما ينبري اثنان من أبرز رموز الحكم في إيران "علي لاريجاني" و"منوشهر متكي" للدفاع عن خليّة متقدمة اخترقت مصر لصالح إيران، كيف يراد منا أن نصدّق أن مصر "تٌكبّر الحبّة"، هي أصلاً كبيرة، فيما تأتي أصوات الدفاع الإيراني لـ"تصغير القبة".. العين على مصر، لأنها الوسط الاستراتيجي والجغرافي وواسطة العقد للمشروع الإمبراطوري الفارسي المختبئ خلف عنوان: "الشرق الأوسط الإسلامي الكبير"، ووعي القيادة المصرية الحكيمة لهذا يؤكد أن التاريخ لن يعيد نفسه، تاريخياً كلّ طموحات "فارس" في استعادة إمبراطورية "كسرى" انتهت إلى فشل ذريع، ولسبب بسيط يرفض كثيرون تصديقه، لأنه مُلْكٌ دعا رسول الله (ص) ربّه – جلّ وعلا – أن يمزّقه بعدما بلغه خبر تمزيق كسرى رسالة النبيّ إليه ودعوته لدين الله وقتله حامل الرسالة، ولم يكتفِ بذلك بل أرسل قواده ليأتوه بهذا الرجل (النبي ص) الذي تجرّأ على كسرى!! ومع وصول مبعوث كسرى إلى النبي (ص) كان كسرى قد قتل على يد ابنه!! وسبحان الله، هذا "الصلف" قديم جداً في العرق الآري، وفي قيادات الفرس.

ولأنني أصدّق الله ورسوله، ولا أصدق ولم أصدق يوماً كل مشاريع استعادة الإمبراطورية الفارسية، سيفشل هذا المشروع وعلى عتبة مصر تحديداً، لأنها وعلى عتبتها انهزم الصليبيون ووانهزمت في عين جالوت جحافل المغول التتار بعدما سقط العالم الإسلامي كلّه تحت سنابك خيلها، وبمصر وانتصارها يومها حفظ الله الإسلام واستمراريته في الأرض، أما "فارس" فسيبقى هذا الملك ممزّقاً بدعاء رسول الله (ص) عليه.. أعيدوا قراءة التاريخ، وإن أعاد نفسه فهذه المرة أيضاً فقط بفشل أحدث مشاريع "الإمبراطورية الفارسية" وآخرها ربما!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل