غنطوس ينسحب: ثورة الأرز مزحة أميركية سمجة انتهى مفعولها
ائتلاف طرابلس الثلاثي في «عنق الزجاجة»… والحسم بات قريباً
خضر طالب
كان يفترض أن يشكل قرار نقيب المحامين السابق فادي غنطوس سحب ترشيحه إلى الانتخابات النيابية عن المقعد الأرثوذكسي في طرابلس، حلحلة للعقدة التي بقيت حائلة طوال الأسابيع الماضية دون إنجاز لائحة ائتلاف طرابلس الثلاثي بين الرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي والنائب سعد الحريري، إلا أن هذا الانكفاء الصارخ للنقيب غنطوس شكّل في أبعاده وظروفه ونتائجه مزيداً من التعقيد على ملف التحالف بين الوزير الصفدي والنائب الحريري بعد أن باتت خيارات مشاركة الصفدي ضيقة جداً في ظل توجه النائب الحريري أيضاً نحو إقصاء النائب قاسم عبد العزيز واستبداله بالمرشح هيثم الصمد لشقّ صف عائلة الصمد في محاولة لإضعاف النائب السابق جهاد الصمد وتطويقه، بعد أن أسفرت الاتصالات مع الجماعة الاسلامية عن استبعاد انضمام مرشحها النائب السابق أسعد هرموش إلى اللائحة في الضنية مع النائب أحمد فتفت ومرشح ثالث من المنية بات الخيار فيها محصوراً بين اثنين: إما النائب هاشم علم الدين أو الدكتور محمد علم الدين.
ومع بلوغ الاتصالات عنق الزجاجة على حجم مشاركة الوزير الصفدي في الائتلاف فإن ذلك يعني أن عطلة الأسبوع ستكون حاسمة في تظهير شكل وطبيعة هذا الائتلاف مع الشريك الثالث الرئيس نجيب ميقاتي الذي كان أنجز مع الحريري تفاهماً على طبيعة مشاركته من حيث تسمية النائب السابق أحمد كرامي في طرابلس ليكون المرشح السني الخامس على اللائحة إضافة إلى النائب محمد كبارة لحيثيته الخاصة، والنائب سمير الجسر عن تيار المستقبل.
هل سيقبل الوزير الصفدي التعاطي مع الأمر الواقع بعد انسحاب النقيب غنطوس والاتجاه لإقصاء النائب عبد العزيز؟
لا يؤشر رد الفعل الأولي إلى الاتجاه الذي سيسلكه الوزير الصفدي، وما إذا كان يملك أوراقاً أخرى يمكنه استخدامها كبديل عن النقيب غنطوس الذي وقف «فيتو» كبير جداً أمام دخوله إلى الائتلاف عن المقعد الأرثوذكسي، خصوصاً أن النائب الحريري كان عرض على الصفدي أن يسمي أي مرشح آخر أرثوذكسي غير غنطوس، إلا إذا كان الحريري يقصد بهذا «المرشح الآخر» تحديداً روبير فاضل، وهو حاول أن يدفع الصفدي لتسميته، وجرت محاولات لأن يحتسب من حصته تحفظ عليها الصفدي في وقت سابق.
وقد شكل ذلك بالنسبة للنقيب غنطوس حافزاً كافياً لاتخاذ قراره الذي قلب الطاولة وقال في «حلفائه» السابقين من قوى 14 آذار وفي ثورة الأرز ما لم يقله منظرو المعارضة في عز الاشتباك السياسي، خصوصاً عندما اعتبر أن ثورة الأرز ليست سوى «مزحة أميركية سمجة انتهى مفعولها»، وكذلك في حملته على «مداحي البلاط من خصيان السياسة».
وقال النقيب غنطوس في بيان سحب ترشيحه: «تقدمت بترشيحي للمقعد الأرثوذكسي في طرابلس معتقدا أن الانتخابات النيابية في بداهة الامر استحقاق هام وأساسي في الحياة العامة تتيح للناس إمكانية محاسبة ومساءلة من مثّلهم سياسيا، رغم إدراكي أن قانون الانتخاب الحالي لا يسمح فعليا بتجدد التمثيل السياسي، لا سيما في الأقضية التي يختل فيها التوزيع الديموغرافي بين الطوائف بحيث يصبح الخيار السياسي للأقليات هامشيا، وشرطه الوحيد التبعية السياسية المطلقة للقوى المهيمنة أيا كانت».
أضاف: «بعد مضي أقل من عشرة أيام على تقديم ترشحي الذي يبدو انه استفز خصيان السياسة ومهرجي السلطان، ومداحي البلاط، فتحول الى عقدة مستعصية كادت تودي بحلف ثلاثي وصف بالائتلاف، فأيقنت أن هنالك ثوابت مسلّمات لا قدرة لي على المساومة عليها:
ـ على الرغم من انسحاب القوات السورية من لبنان، فإن زمن الوصاية الأمنية على القرار السياسي والحياة العامة لا يزال مستمرا، وإن ثقافة الالغاء والعزل والتهميش والتخوين لا تزال سائدة في مركز القرار، وإن ثورة الأرز التي التزمت ولا أزال مبادئها وثوابتها، كانت مزحة أميركية سمجة انتهى مفعولها.
ـ كما ازددت قناعة بأن مقاعد الأقليات في طرابلس، هي لصاحبها المهيمن على قرار المدينة، في ظل انكفاء غير مبرر لقيادات وفاعليات، كان بامكانها أن تؤمن تنوعاً وتعدداً في الخيارات، ما ينذر بموت سياسي لمدينة طالما كانت عصية وثائرة، بحيث كان ناسها أول من عصوا وآخر من أطاعوا. سقى الله تلك الأيام التي تنتمي إلى زمن مضى لن يعود أو يتكرر بالمدى المنظور».
وختم غنطوس: «وعلى الرغم من أن الاتفاق النهائي بين أطراف التحالف الثلاثي لا يزال متعثرا، والمفاوضات تراوح مكانها، والخيارات مفتوحة على كل الاحتمالات، ومع تقديري واحترامي للجهد العالي والاستثنائي الذي بذله معالي الوزير الصديق محمد الصفدي ولا يزال، من أجل دعم ترشيحي والإصرار عليه والتمسك به رغم كل الفيتوات التي واجهته، فإن احترامي لذاتي، وانسجاما مع قناعتي وحريتي الفكرية، ومفهومي الأخلاقي للعمل السياسي وللصداقة الإنسانية، والالتزام برفقة درب جمعتني برجل جدير بالاحترام، كان قراري بالرجوع عن الترشح وسحبه من التداول، شاكراً الكثير الكثير من الأصدقاء والرفاق الذين تعاطفوا معي، معتذرا من أن أكون قد سـببت لهم بعض خيبة أمل، معاهداً بأنني سأبقى معهم مناضلاً ومدافعاً عن الحق والحرية، معنى وجود لبنان».
قرار النقيب غنطوس سحب ترشيحه، ساهم في دفع مسار الاتصالات نحو الحسم في أقرب وقت، خصوصاً بعدما تبين أن التأخير يساهم في خلق مشكلات إضافية ستؤدي إلى مزيد من التعقيد الذي يصبح حلّه صعباً جداً، وهذا ما برز خصوصاً في بعض المحاولات التي تكثفت خلال اليومين الماضيين لإعادة النائب مصباح الأحدب إلى اللائحة على حساب النائب السابق أحمد كرامي، وكذلك في تصاعد وتيرة الاعتراض لدى الشخصيات السياسية والاجتماعية والروحية في الطائفة العلوية على عدم الوقوف على رأيها في تسمية النائب بدر ونوس كممثل عن العلويين.
ومع فشل المحاولات لضم الأحدب بدلاً من أحمد كرامي بسبب موجبات ائتلاف النائب الحريري مع الرئيس ميقاتي، فإن الاعتراض في الشارع العلوي لم يهدأ، وهو مرجح لأن يستمر وبوسائل متعددة في حال استمر التأخير في إعلان اللائحة، خصوصاً أن هناك من يطرح مخارج حلول لهذا الموضوع تقضي باجتماع النواب العلويين السابقين والمجلس الاسلامي العلوي من أجل اختيار مرشح من بين الأسماء المطروحة التي تتمتع بحضور في الشارع العلوي، ومن دون فيتو مسبق على أي منهم، في حين طرح مخرج آخر يقضي بتسمية مرشحين اثنين يختار النائب الحريري أحدهما، بينما جرى التداول باسم المرشح أحمد عمران على سبيل التسوية وهو ابن شقيقة النائب السابق أحمد حبوس الذي رفض ترشيح نفسه.