#adsense

الديموقراطية تكبر في الهند وتواجه معركة المصير في لبنان

حجم الخط

هجمات "ماويّة" على الانتخابات في البلدين و "الفدرالية من جانب واحد" تتحكّم بأصغرهما
الديموقراطية تكبر في الهند وتواجه معركة المصير في لبنان

يتوجّه اللبنانيّون الى صناديق الاقتراع في يوم واحد لانتخاب 128 نائباً. أما الهنود فيلزم عمليّتهم الانتخابية زهاء الشهر لاختيار أعضاء الـ"لوك سابها" (مجلس الشعب) الجديد، إذ يستمرّ الاقتراع على خمس مراحل.
في لبنان، إجراء الانتخابات في يوم واحد من شأنه أن يوفّر ضمانة لعدم انقلاب الخاسر في الجولة الأولى على الاستحقاق بأكمله، ولتلافي المضاعفات الأمنية قدر الإمكان. طبعاً ليس ثمة ضمانة أكيدة لعدم انقلاب الطرف الخائف من الخسارة على الانتخابات في يومها الواحد.

أمّا في الهند، فتمرحل الانتخابات على هذا النحو لا يعكس فقط العدد الهائل للناخبين أو الحجم الشاسع للبلاد، بقدر ما يعبّر عن طبيعة النظام الفدراليّ الهنديّ، التي لا يمكن من دونها تفسير نجاح أكبر تجربة ديموقراطيّة من حيث السكّان، وفي بلد ليس التعايش بين مجموعاته العرقية والدينية بالأمر البديهيّ، وإنّما ينبغي السعي إليه يوماً بيوم.

وإذا كانت الفدرالية لازمة الديموقراطية في الهند، فإنّ غياب الديموقراطية في العالم العربيّ يقترن بدوره بغياب الفدرالية. وليس من المفارقة القول إنّ التجربة الوحيدة في العالم العربيّ التي تحتمل شبهة ديموقراطية، وهي لبنان، هي التجربة الوحيدة التي تحتمل أيضاً، ومنذ تأسيسها، شبهة "فدرالية"، فيعايرها البعض بـ"فدرالية الطوائف" على سبيل الذمّ، ويمتدحها البعض الآخر على أنّها "فدرالية شخصية غير جغرافية"، ويتحمّس قسم ثالث لجعلها فدرالية رسمية، ويكتفي قسم رابع بتمغيط اللامركزية قدر الإمكان، في حين يتحكّم القسم الخامس بمصير البلاد كونه يفرض "فدرالية من جانب واحد" وينكر على الولايات الافتراضية الأخرى حقوقها الفدرالية.

ولا تتلازم الديموقراطية مع الفدرالية في الهند فحسب، بل إنّه يعود اليها الفضل أيضاً في استمرار نظام الطبقات الدينية المهنية المقفلة، وتعايشه الفائق مع الحداثة الوافدة ثم تلك المطوّرة محليّاً، فبقدر ما قنّن هذا النظام إمكانات ترجمة المساواة القانونية بين المواطنين على أرض الواقع، فإنّه حمى هؤلاء المواطنين وإلى حدّ كبير من النزعات الشموليّة التي يمكن أن تنتاب مجتمعاً نامياً تنهال عليه الحداثة وتفرض عليه تسريع خطاه بإتجاهها. لقد لعبت الهرمية الاجتماعية الفظيعة في الهند دوراً في تمكين الديموقراطية الفدرالية.

حتى الآن لم يفكّر أحد في ابتداع مقارنة بين نظام الطوائف في لبنان وبين نظام الطبقات الدينية المهنية المقفلة في الهند، ودور كلّ منهما على اختلافهما، في إسناد التجربة الديموقراطية، على تفاوتها في البلدين، وفي التقنين على هذه التجربة، وعدم القدرة على ترجمة المساواة القانونية بين المواطنين في الوقت نفسه.

إلا أنّ الطوائف اللبنانية الكبرى وجدت نفسها، الواحدة تلو الأخرى، في موقع ابتداع صور لها يمكن أن تتقارب مع نموذج هذه الطبقة الدينية أو تلك في المجتمع الهندوسيّ. فكل طائفة لبنانية مرّت بمرحلة "براهمانية"، بمعنى طبقة الكهنة والأمناء على الكيان، وبمرحلة "كشاترية"، بمعنى طبقة الأمراء والمحاربين، وبمرحلة "فايشية"، بمعنى النظر إلى نفسها كطبقة بناة تجّار وحرفيين أو كطبقة رعاة وفلاحين، وكل طائفة لبنانية واجهت تهديداً بـ"نبذها" في إطار النظام الطائفيّ العام، إلا أنّ أخطر ما واجهه النظام الطائفيّ هذا هو وضعية يمكن فيها لفريق أن يجمع بين كل هذه الشرائط فيعلن أنّه يمثّل الكهنة والمحاربين والبناة في الوقت نفسه، ويعلن أنه منبوذ ومحروم أيضاً وأيضاً. أن يكون المرء براهمياً وكشاترياً وفايشياً ومنبوذاً في آن، هذا مستحيل تماماً في الهند، رغم كل تنويعات وتعقيدات نظامها الاجتماعيّ، لكنه ممكن تماماً في لبنان، كما أنّه من الممكن الجمع بين أقصى الطائفية، المذهبية، وبين الدعوة لإلغاء الطائفية السياسية.

لنعد أدراجنا ونكتفي بالمقارنة بين الاستحقاق التشريعيّ في البلدين. بدأ الموسم الانتخابي في لبنان باعتداء مجرم وسافر على الجيش اللبنانيّ. وبدأ الموسم الانتخابي في الهند باعتداء لا يقل إجراماً من طرف المتمرّدين الماويين على عناصر شبه حكومية مولجة أمن العملية الانتخابية. ما العلاقة بين الأمرين؟ صحيح أنّ من أعتدى على الجيش في البقاع ليس "ماوياً"، لكنه سرعان ما أخذ تبريراً "ماويّاً" لفعلته من ذاك الطرف الذي يفخر بـ"براهمانيته" وشجاعته المحاربة ومهاراته في البناء ويشتكي من النبذ في آن. جاء التبرير "ماويّاً" صرفاً حيث لحظ هذا الشخص أن التنكيل بالعسكريين سببه الحرمان، أي أن التنكيل بالعسكريين هو شكل من أشكال رفع الحرمان، وليس على الجيش اللبنانيّ تعقّب الجناة، وإنّما الانتظار حتى يرفع الحرمان.

انتخابات في لبنان وأخرى في الهند. ماويّون في الهند وآخرون في لبنان. تكبر الديموقراطية استحقاقاً بعد آخر في الهند، وتواجه الديموقراطية معركة المصير في لبنان. الماويّون يقاطعون ويفجّرون في الهند. الماويوّن يفجّرون ويشاركون في لبنان

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل