استمرار السلاح مشروع 13 نيسان متجدد

استمرار السلاح مشروع 13 نيسان متجدد
بعضنا لم يتعظ بعد

"وما الحرب إلا ما عرفتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعوثها ذميمة
وتضر إذا ضريتموها فتضرم".
زهير بن ابي سلمى

اتفاق القاهرة:

في الثالث من تشرين الثاني سنة 1969، بعد سلسلة من اشتباكات متفرقة وخطيرة بين الجيش اللبناني وعناصر مسلحة فلسطينية ولبنانية تابعة لها، أجبر لبنان على توقيع اتفاقية القاهرة "لتنظيم" الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان.
قام يومها رئيس الجمهورية الراحل شارل حلو بإرسال قائد الجيش اللبناني العماد اميل بستاني للتفاوض مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، وكان وقتها زعيم حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية. شارك في المفاوضات وزير الحرب المصري محمد فوزي تحت رعاية من الزعيم المصري جمال عبد الناصر.

أهم بنود الاتفاقية:
1 ـ تشكيل لجان للفلسطينيين وإنشاء نقاط "للكفاح المسلح" (نوع من الشرطة العسكرية الفلسطينية) مع وجود ممثلين لمنظمة التحرير في الأركان اللبنانية.
2 ـ تسهيل المرور والطبابة والإخلاء والتموين للفدائيين.
3 ـ تأمين الطريق الى العرقوب والسماح للفلسطينيين المقيمين في لبنان بالمشاركة في الثورة الفلسطينية.

هذا الاتفاق أعطى شرعية لوجود وعمل "المقاومة" الفلسطينية في لبنان. لقد تم من خلالها القبول بالوجود السياسي والعسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية من قبل الدولة اللبنانية، وتم التأكيد على حرية العمل الفدائي انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.
بالمحصلة، أصبح "سلاح المقاومة" الفلسطينية محمياً من أية محاولة شرعية لنزعه.

من الواضح أن هذا الاتفاق خرق بشكل فاضح مبدأ السيادة من خلال التسليم بوجود سلطة مسلحة على نفس البقعة السياسية الجغرافية غير السلطة الشرعية. كما أنه كان يتعارض مع أحكام متعددة من القوانين اللبنانية، وبنفس الوقت، لم يكن لهذا الاتفاق دور ملموس لتحسين العلاقات اللبنانية الفلسطينية بدليل استمرار الاشتباكات السياسية والأمنية والتي وصلت الى حرب 1975.

أما من جانب إسرائيل، فقد اعتبر الاتفاق خرقاً من جانب واحد لاتفاق الهدنة المعقود مع لبنان سنة 1949.
والواقع هو أن ما فرض الاتفاق هذا هو وجود تأييد واسع "للمقاومة" الفلسطينية من قبل شرائح واسعة من الشعب اللبناني، وبخاصة المسلمون منهم، كما أن أعداداً كبيرة من اللبنانيين كانوا منضوين تحت ألوية هذه "المقاومة" تحت مسميات متعددة. ولا شك أن هذه الشرائح اعتبرت هذه "المقاومة" احدى وسائل تصحيح الخلل السلطوي في بنية لبنان من خلال امتلاك السلاح.

ولكن هذا الوضع دفع المكونات الاخرى الى الاندفاع في حملة مستمرة ومحمومة لايجاد وسائل الأمن الذاتي، أو "لدعم الدولة والجيش" كما استخدم كشعار لما سمي يومها الاحزاب اليمينية اللبنانية التي كانت مسيحية بمعظم مكوناتها.
يعد الاجتياح الإسرائيلي الذي كان خاتمة احدى مراحل الحرب الأهلية اللبنانية، أصبح الدرب ممهداً لإلغاء اتفاقية القاهرة وهذا ما حصل بالفعل في السابع من نيسان 1987 بشكل احادي من مجلس النواب اللبناني.

اتفاق الطائف:

وتفادياً لتكرار المأساة، فقد ثبت التأكيد على إلغاء مفاعيل اتفاقية القاهرة من خلال وثيقة الوفاق الوطني الموقعة في الطائف سنة 1989 والتي تنص على "الإعلان عن حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية خلال ستة أشهر بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني وانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة الوفاق الوطني وإقرار الإصلاحات السياسية بصورة دستورية" وهذه الفقرة بالذات كانت روحية القرار 1559. ولكن نقطة الخلاف وقعت في تحديد صفة حزب الله عشية انتهاء الحرب الأهلية، فمن الناحية الأكاديمية فإن أي منظمة عسكرية أو شبه عسكرية (حتى وإن كانت غير مسلحة) يمكن توصيفها بالميليشيا ولكن تشريعها يعود للسلطات المحلية، ويعتمد على خضوعها للقوانين المحلية ولسلطة الدولة المعنية.

وإن كان واقع الاحتلال الإسرائيلي، والوصاية السورية فرضا، وعلى مضض من قبل البعض، حزب الله تحت مسمى "المقاومة"، ولكن زوال الاحتلال سنة 2000، أعاد طرح هذه القضية مجدداً الى طاولة البحث، وإن بقي سيف التخوين مرفوعاً فوق رقاب كل من طالب بتطبيق اتفاق الطائف كاملاً (وحتى الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان يعرف محاذير العمل على تطبيقه فعلاً) فقد كان تطبيقه مرتبطاً ببنود أخرى عنوانها انسحاب القوات السورية من لبنان.

ولكن، وبعد الانسحاب في 26 نيسان 2005، عادت مسألة السلاح غير الشرعي لتطرح بقوة وحرية بعد زوال الاحتلال الاخوي، خاصة بعد صدور القرار 1559، المعتمد أصلاً على روح اتفاق الطائف كما ذكرنا، وهو الذي أنهى حرباً أهلية دامت 15 سنة.

سيناريو 13 نيسان متجدد:

ما أشبه اليوم بالأمس مع تبدل الأدوار، فما زال هناك فئة تتمسك باتفاقية قاهرة جديدة على قياسها، ولكنها اتفاقية دون بنود (عكس اتفاقية القاهرة) غير التسليم الكامل غير المحدود بحرية حركة كل مؤسسات حزب الله العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية لهذا الحزب. وقد حصن هذا الحزب "مقاومته" من خلال التمترس المذهبي بحيث أصبحت الطائفة التي يسميها "جمهوره" تعتبر بمعظم تكاوينها بأن هذا السلاح المسمى تحت شعار "المقاومة"، هو الضمان الأساسي للحفاظ على امتيازات تتوهم بأنها إعادة لتوازن مختل لمصلحة الطوائف الاخرى التي بنيت التسوية اللبنانية على قياسها منذ إنشاء دولة لبنان الكبير.

إن هذه الحالة تؤكد من خلال تجربة 13 نيسان 1975 بأن بذور حرب أهلية جديدة لا تزال تحت الأرض، وجاهزة لتنمو عند توافر المناخ الملائم، وما تراكم من التداعيات على مدى السنوات الأربع الماضية من تعطيل للحكم، واحتلال للساحات، واجتياح لبيروت، وقتل للعسكريين من سامر حنا الى اعتداء 13 نيسان 2009 الذي ذهب ضحيته 4 شهداء من الجيش، شاءت الصدف أن يكون من مذهب معين، إلا مؤشر على استمرار احتمال مناخ التفجير.
والواقع هو أن الجو الشعبي أصبح قريباً من قبول فكرة توازن الرعب التي أسست للحرب الأهلية عشية 1975، وهي معادلة الأمن الذاتي المعتمد على الميليشيات الخارجة عن منطق الدولة وسيادتها.

أنا أعلم أن "حزب الله" مكبل بورثة عقائدية ثقيلة تدفعه الى أن يتخطى كل المحاذير في سبيل تحقيقها، وقد يكون أكثر الناس أسفاً على انتهاء الحرب الأهلية سنة 1990 دون أن يحقق أهدافه من خلالها. وهذا بالطبع ما يفسر العدائية المركزة لهذا الحزب لاتفاق الطائف، والذي اعتبرته قيادته سنة 1989 "مؤامرة مارونية"، وهذا ما يفسر أيضاً استمرار محاولات تقويض أركان الطائف من خلال فرض اتفاقية جديدة، موقتة، مثل اتفاق الدوحة، وذلك على طريق تخريب الاستقرار والدفع ربما الى حرب جديدة، تفرغ الوطن من نخبه وتعدديته، وتعيد الأمل بحلول حكم الولي الفقيه على لبنان.
إن هذا العرض يؤكد أن بعضنا لم يتعلم شيئاً من 13 نيسان 1975، ولا فهم أن كل العقائد لا تساوي روح أي فرد من أفراد هذا الشعب الذي يحق له أخيراً الحصول على فترة من الاستقرار. هذه المعطيات يجب أن تكون ملكاً "لجمهور حزب الله" ليفكر بها ملياً ويقرر على أساسها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل