هواجس مواطن موالي لثورة الارز
المحامي جورج ابو صعب
انطلاقا من الحرص على مصداقية ونجاح مبادئ وحركة ثورة الارز وقوى 14 اذار في الانتخابات النيابية المقبلة، وفي ضوء ما نشاهده من مواقف سياسية على الساحة اللبنانية الانتخابية في الاونة الاخيرة نسمح لانفسنا بتسجيل الاتي:
1- اذا كنا نؤيد الحوار والانفتاح بين مختلف القوى السياسية ولا سيما بين قوى 14 اذار وقوى 8 اذار كما هو حاصل اليوم بين الحزب التقدمي الاشتراكي والرئيس نبيه بري وقريبا ربما مع حزب الله، كما نؤيد بالمطلق اي تقارب بين اي قوتين سياسيتين لبنانيتين على الساحة اللبنانية واي حوار بناء وهادئ وهادف بينها. الا اننا وفي الوقت نفسه نجد ان هذه المحاولات الايجابية يجب ان لا تبتعد كثيرا عن صلب المعركة المصيرية التي تخوضها قوى 14 اذار في وجه المعارضة الملونة بالوان المصالح الاقليمية اكثر منها بالوان المصالح اللبنانية الصرفة.
فاذا كان جيدا ان يتقارب ويتحاور الناس في ما بينهم من الجهتين المتقابلتين، لكن ذلك لا يجب ان يتحول الى تعمية عن الجوهر والقضايا الجوهرية التي تبقى هي اساس المشكلة بين الموالاة والمعارضة. فالمعركة الانتخابية المقبلة مصيرية لانها كذلك فعلا فهي ستكون بين مشروع "لبنان هانوي" ومشروع "لبنان الدولة والقانون والسيادة والاستقلال". كما ان التقارب والتحاور والتقرب في هذه المرحلة المصيرية قد يؤدي الى اضعاف الزخم الشعبي الانتخابي لدى الكثير من الرأي العام المؤيد لقوى 14 اذار على مساحة الوطن. فمهرجانات الغزل والمداعبات والحوارات التي فتحت الان… وليس بعد الانتخابات من طرف بعض قوى 14
اذار لا يجب ان تؤدي الى تمييع التجييش الشعبي للمؤيدين، بحيث ان قسما من هذه القواعد الشعبية الموالية قد تتراخى في اللحظات الاخيرة بحجة الحوار والتقارب بين بعض القوى من هنا وبعض القوى من هناك كي ينفذ بذلك مشروع 8 اذار باكبر نسبة اريحية في مناطق اكثرية 14 اذار.
من هنا نظرتنا الحذرة اليوم لما يحصل بين بعض قوى 14 اذار وبعض قوى 8 اذار وان كان ظاهره جيدا وايجابيا على صعيد تدعيم الاستقرار والهدوء وتأمين الاجواء الملائمة لتمرير الاستحقاق الانتخابي باكبر قدر من السلامة والهدوء والطمأنينية الامنية. الا ان ما دونه محاذير نأمل من ممسكي القرارات لدى هذه القوى من 14 اذار ان يكونوا متنبهين لها، لان اي تراخي شعبي انتخابي من طرف 14 اذار يوم الاستحقاق سوف يسجل مكسبا كبيرا لقوى 8 اذار على الارض.
2- نسمع من هنا وهناك كلاما يريد طمأنة السذج من الناس من انه ومهما كانت نتيجة الانتخابات فان اللبنانيين محكومون بالوفاق والتوافق وبالثلث المعطل. فهذا الكلام ان دلى على شيء فعلى الحقائق التالية:
أ- حقيقة ان اللبنانيين اليوم مدعوون الى دفن النظام الدستوري ودستور الطائف لان هذا الدستور لم يلحظ ديمقراطية التوافق بل ديمقراطية الاكثرية والاقلية في التصويت على القرارات المصيرية في حال تعذر الاجماع، وبالتالي من يبشرنا بهذا النمط في الحكم فهو انما يبشرنا باستمرار حفلة الكذب والتكاذب بين السياسيين لسنوات عجاف جديدة تقضي عل امال التجدد والتغيير والتقدم والتطور في نظامنا السياسي. لان هذا الكلام بكل بساطة يعني استمرار الحكم بمنطق التسويات والمساومات والبيع والشراء دون رادع ولا رقيب
ولا حسيب، فنترحم على ايام صيغة 43 وايام حكم التقليديين ورجالنا الكبار الراحلين.
ب- حقيقة ان الانتخابات يراد لها ان تكون محطة سخيفة اقل من عادية او بالاحرى يراد ان تسخف الانتخابات وكأنها مرحلة دستورية شكلية وان غيرت من الوجوه الا انها لن تغير الجوهر – اي اسلوب الحكم ونظرة ادارة شؤون البلاد – ذلك الجوهر الذي سوف يكون الضحية مرة جديدة على مذبح "افضل الممكن" او مذبح "هكذا لبنان … محكومون بالتوافق " … الخ – فهذا المنطق وهذا النمط من انصاف الحلول ولا حلول وانصاف القرارات ولا القرارات وانصاف الحكم ولا الحكم وانصاف الديمقراطية ولا ديمقراطية لن يقبل به الشعب الواعي والمثقف بعد اليوم، لان هذا المنطق هو الذي كلفنا اتفاقية القاهرة سنة 1969 وهو الذي كلفنا حرب 1975 – وهو الذي كلفنا 7 ايار – وهو الذي كلفنا وسيكلفنا قوافل شهداء وشهداء. فثورة الارز ستذبح من الوريد الى الوريد ان سلمنا بهذه المعادلة واستمرينا عليها. وكل الانجازات ستذهب ادراج الرياح، فالانتخابات المقبلة اهم ما فيها وما يجب ان تكون عليها هو افرازها لطبقة جديدة من القيادات التي لا تؤمن بانصاف المبادئ ولا بالشعارات الانية بل التي تؤمن بالفعل قبل القول بالتغيير الجذري. فلماذا الخوف من ممارسة الديمقراطية ؟ ولماذا الخوف من ان يكون في لبنان موالاة ومعارضة كل واحدة في اطارها الدستوري والسياسي والقانوني والديمقراطي يعمل ويتنافس على الافضل للبنان؟
ج- حقيقة ان الثقافة السياسية والوطنية لدى البعض من طارحي هذه الشعارات غير قابلة للانتقال من مرحلة منطق المزرعة الى مرحلة منطق بناء الدولة العصرية حيث للانسان قيمته ورأيه المؤثر في المعادلة الوطنية وحيث للحريات دورها الفاعل في تجديد النخب وتداول السلطات وحيث للرأي العام قوته التغييرية وقدرته على الزام المسؤول بالاصلاح والتطوير والشفافية والولاء للوطن ولسيادته واستقلاله. مطلقو هذا الكلام يفتقرون الى الحد الادنى من النضوج الفكري السياسي ويفضلون الاستمرار في تقديم نموذجهم للبنان التقليد والاقطاع والمسايرة والضحك على الذقون على حساب الشعب والوطن والدولة والقانون والدستور.
3- وفي ضوء ازمة حزب الله مع النظام المصري حاليا عل خلفية موضوع قضية ما بات يعرف بخلية حزب الله : فاهم ما تكشف لنا من مجمل ما جرى ويجري وبغض النظر عن صدقية ووطنية وقومية الدوافع التي حدت بالحزب الى ارسال من يساعد ويؤازر الشعب الفلسطيني المحاصر اثناء عدوان اسرائيل الاخير على غزة، الا ان ما دون هذه القضية تظهير لمسألة خطيرة تشكل لب المشكلة التي نعاني منها في لبنان مع هذا الحزب: الا وهو مشكلة عدم اعتراف الحزب بسيادة الدول وعدم احترامه لخصوصيات الدول السيدة والمستقلة: ففكر الحزب وعقيدته لا يقران بالحدود بين الدول العربية والاسلامية لنصرة الشعب الفلسطيني كما هو لا يقر بالسيادة اللبنانية وسيادة الدولة والقانون والمؤسسات في لبنان في مواجهة اسرائيل، وهو يعبر بصمت ربما او باعماله عن عدم اقراره بهذا المبدأ الهام في العلاقات الدولية بحجة ان امام ازمة فلسطين ما من حدود للمساعدة والتضامن لانقاذ وحماية القدس، فها هو الحزب اليوم يحاول تطبيق نموذج اخر من نماذج عقيدته خارج الحدود اللبنانية مسقطا بالمناسبة صفته من انه حركة مقاومة فقط للاحتلال الاسرائيلي في لبنان.
وقد زاد الموقف الايراني الفوري الداعم للحزب من تعقيد الازمة مع مصر لانه اثبت مرة أخرى ما للاسف بات قناعة لدينا في لبنان من ان الحزب بقدر ما هو لبناني التكوين والهوية بقدر ما هو ايراني البرنامج والدور والفكر. لذلك نأمل من الحزب ان يدرك اكثر فاكثر من انه لا يستطيع الاستمرار في سياسية القفز فوق سيادة الدول واعتبار كل شبر من الاراضي العربية كما اللبنانية مباحا له مهما كانت الدوافع شريفة ونبيلة ووطنية وقومية. فالعالم العربي اليوم والعالم الاسلامي امام معطيات جديدة وهما محكومين بمبادئ واسس في العلاقات الدولية والالتزامات السيادية بين الدول والشعوب. فليبقى بالتالي في لبنان لنجد معه حلا لمشكلة الاستراتيجية الدفاعية ضد اسرائيل في حال اعتدائها على لبنان ولنترك العرب والدول العربية وشأنها. فان كان فيها شعوب ملتزمة فعليا القضية الفلسطينية فلتنتفض هي على حكامها من الداخل والا بربكم … دعونا لا نكون بعد اليوم ملكيين اكثر من الملك لان لبنان بالنهاية يدفع اغلى الاثمان عند كل أزمة.