الساحة والدويلات…
منذ انطلاقة المقاومة الفلسطينية من "فتح لاند"، وانطلاقة دويلة ياسر عرفات من صبرا امتداداً الى منطقة الحمراء فالجبل بلوغاً لعيون السيمان، تحوَّل لبنان ساحة مفتوحة.
بل ساحة سائبة، يؤمها كل فار من وجه العدالة في العالم، وتستقبل بحفاوة مختلف انواع المنظمات الثوريَّة والتجمعات الارهابيَّة، وترحب بكل الخارجين على القانون، واليهم شذاذ الآفاق وأصحاب الحٍرَف والمواهب المشبوهة.
منذ ذلك الحين وذلك التاريخ انتزع لبنان، وانتزعوا منه كل الصفات والتقاليد والمميزات التي أوصلت شهرة الأرز والكبة النيَّة والتبولة الى المنقلب الثاني من الأرض.
ونزعوا عنه قشرة النظام الديموقراطي التي كانت تتفيأ في ظلها الطوائف والقبائل والشعوب الوافدة الى مرقد العنزة من كل حدب وصوب.
ومن يومها واللبنانيون يحاولون استعادة لبنانهم وصيغته ورسالته من دون جدوى.
صحيح أن دويلة عرفات لملمت أطلالها بعدما تسبَّبت باجتياح اسرائيلي بلغ جونيه ساحلاً وبعض القمم جبلاً، إلا ان "الساحة" لا تزال ساحة. ولا تزال مفتوحة.
تودِّع العاشق لتستقبل المشتاق.
تودع الدويلة الفلسطينية وتوابعها لتستقبل الميليشيات و"فرسانها" الذين جعلوا أهل بيروت يرون نجوم الظهر.
تودّع الميليشيات وعناترها لتستقبل الوصاية السورية في إقامة قاربت العقدين، وعلى كل شبر بسطت نفوذها وكلمتها و"حكمها"، ومن الناقورة الى النهر الكبير.
تودٍّع الوصاية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري والتشبُّه للبنانيين أنهم تحرّروا أخيراً وحرّروا الوطن الصغير من الأطماع والفلتان وشريعة الغاب، لتستقبل دويلة جديدة، ولكن من أهل البيت.
تحت راية المقاومة حلَّ "حزب الله" محل جميع الأحزاب والميليشيات والمقاومين، فارضاً سلطته جنوباً وضاحية، وداخل بيروت، وداخل الدولة، وواضعاً اللبنانيين مرة أخرى أمام الأمر الواقع.
مما أعاد الى الساحة "القديمة" الساحة السائبة دورها التقليدي، حيث شرٍّع البلد مرة أخرى لـ"استضافة" الصراعات العربيٍّة – العربية، والعربية – الايرانيّة، والإيرانيَّة – الأميركية على اوروبية ودوليّة.
وعلى أرض لبنان وظهره وحسابه.
حتى بدت طهران وكأنها تؤسس لحضور ووجود داخل لبنان، له أهدافه وطموحاته وربما أطماعه في المنطقة العربية بصورة خاصة وعامة.
حتى ان طهران بدأت تعتبر نفسها معنيَّة بالانتخابات النيابية، وبحجم ما يمثّله حلفاؤها في "حزب الله" والتيار العوني.
وشيئاً فشيئاً يتبلور "الدور" الايراني لبنانياً، وطموحات طهران عربياً واقليميّاً.