#adsense

.. والعبور الى الجيش!

حجم الخط

.. والعبور الى الجيش!

اعتداء جديد على الجيش. وشهداء جُدد وتجربة جديدة واستنكارات وادانات وتصريحات منددة جديدة عرفنا منها، على امتداد الاعتداءات التي تعرض لها جيشنا سواء في الحركة الانقلابية التي ارتكبها العميل شاكر العبسي، أو من خلال الاعتداءات بالقنابل والرصاص على بعض الثكن أو حتى في الاغتيالات. اذاً الجيش الآن يقوم بعمليات مطاردة للذين قاموا بالهجوم الغادر عليه، واسقاط 4 شهداء من أفراده وبضعة جرحى. والآن ايضاً الاستنكارات تتوالى، من دون ان ننسى ما يرافق هذه الاستنكارات العمومية من تفسيرات وتبريرات كأن يربط العدوان على الجيش بمسألة الحرمان… وكأن الذين اجرموا بحقه يدافعون عن الفقراء والمحرومين والمسحوقين، وليسوا مجموعة من مهربي المخدرات (وهل وحدهم يهربون المخدرات هناك!) والقتلة واللصوص. فاذا عممت هذه التبريرات على "المحرومين" في لبنان من ابناء عكار مثلاً أو الجبل، او الساحل، أو الضواحي المختلفة فيعني أن يلجأ كل هؤلاء الى "الانتقام" من الجيش باعتباره مسؤولاً عن أوضاعهم! هذا التفسير يشبه ما رسم من "خطوط حمر"… ازاء معارك الجيش مع عملاء العبسي في نهر البارد!

وكأننا نستشف احياناً ان هذا الجيش المستهدف من المتضررين من نموه وازدياد قدرته على حماية الحدود والديموقراطية والحياة السياسية والاستقلال، لا تذرف الدموع على شهدائه ولا تستنفر الادانات ضد الاعتداءات عليه، لدى بعضهم، إلاّ لإبقائه في دائرة الضعف أو الاستضعاف. كأن ندين مثلاً التعرض لشخص ضعيف او أعزل.. من باب رفع العتب أو الشفقة.. في الوقت الذي تستمر مخططات اضعافه بأشكال شتى. بل ونقول ان الوقوف الى جانب هذه المؤسسة العسكرية الوطنية لا يكون فاعلاً أو جدياً إلاّ اذا كانت لهذه المؤسسة اليد الأولى والوحيدة على مختلف التنظيمات والحزبية والبؤر الأمنية والمناطق المغلقة في المديين القريب والبعيد. فالذي يناصر الجيش لا يكون غريمه ولا نقيضه ولا متجاوزهُ ولا مستغلّهُ ولا مستضعفهُ ولا مشككاً بدوره. فالجيش قبل كل شيء دور. والدور لكي تستقيم مفاعيله يحتاج الى ادوات وقرارات ووحدة ويحتاج الى من يُقر باعتباره القوة العسكرية والأمنية (مع قوى الأمن الأخرى طبعاً) الوحيدة. فلا يكون سقف فوق دوره ولا دور أعلى من دوره. ولا قرار يفرض عليه من القوى الخاصة والفئوية والخارجية المتواجدة على توازياته تماماً كما لا يحدد له، لكي يكون له الدور المتكامل من خارجه، اين يتواجد واين ممنوع عليه ان يتواجد، متى يستطيع ان يحمي السيادة ومتى لا يستطيع ومتى عليه ان يحمي الحدود ومتى يحظر عليه.

فلبنان كله للجيش او لا يكون. هذه هي المعادلة الطبيعية والوطنية والسياسية والعسكرية.
اما اذا فُرض على هذه المؤسسة استنسابيات ما، كأن ندعمه هنا، ونشكك فيه هناك، بحسب الظروف ينتقص كل دوره ويعطل اثره وتُجزأ مهماته وتتشتت فاعليته. بمعنى آخر، لا قوة تعلو فوق الجيش الا القرار السياسي الشرعي: وهو اداته التنفيذية.

وهنا يتخذ الاجماع عليه طابع الاجماع على دوره بدون استثناءات ولا استنسابات ولا خصوصيات ولا شواذ. الاجماع يعني ان يكون سلاحه موضع اجماع. وان يكون اي سلاح غير شرعي او غير متفق على بنيته مع الشرعية، سلاح ضد هذا الاجماع. وضد هذا البلد. وضد هذه الاداة ويعني ذلك تدعيم هذه المواقف الحزبية او السياسية بما يتلاءم والخطاب الشعبي، بحيث تنتفي اي ثنائية بين اعلان عمومي بتأييد الجيش، وموقف ضمني يعمل على اضعافه.

وهذا بالذات ما يُحصن هذه المؤسسة اي الارتباط العضوي بالجمهور الذي يكون الجمهورية، وبالجمهورية التي يكون حاميها من اقصاها الى اقصاها، وبالديموقراطية فيكون حارسها وبالمجتمع المدني فيكون مرسخ تعدديته وبالسلم الأهلي فيكون حاضنه وبالحدود فيكون سياجها.. وهكذا يكون للجيش المختلف عن الجيوش المجاورة والبعيدة في الأنظمة الشمولية، إما أداة للقمع عبر عسكرة السلطة وإما مجرد حامي للنظام من أنواع الحرس الجمهوري أو الحرس الأمني الذي يخضع المجتمع وادارته لآلته الضاربة.

الجيش اللبناني يخوض حرباً "أمنية" اليوم مزدوجة للدفاع عن دوره، وكذلك لمطاردة المعتدين عليه من مهربين ولصوص وتجار مخدرات وأسلحة… يعني ان المعركة هنا ليست "سياسية" ولا تطاول الاّ "المجرمين" وليست "سيادية" ولا تطاول إلاّ الخارجين على القانون: معركة محدودة بأهداف محدودة (هل هناك شيء آخر لا نعرفه؟)، ولهذا تختلف عن المعركة التي خاضها مع العميل العبسي التي كانت سياسية وسيادية بامتياز. اذاَ خاض الجيش معركتين مختلفتين في نهر البارد وبعلبك.. ونجح في الاثنتين معاً ويخوض على الحدود الجنوبية معركة السيادة ونجح مع القوات الدولية (وسط الأصوات المهددة والمشككة بين الحين والآخر).

فهل هذا يعني وعبر هذه المواجهات والحيثيات المكتسبة ان دوره سيتوقف هنا أم انه سيستكمل باعتباره الدور الأساسي والوحيد في الدولة الأساسية والوحيدة، وفي الجمهورية الأساسية والوحيدة..! أم انه ومن خلال استكمال القوة والعدد والأدوات والأسلحة ويستكمل دوره الشامل والشمولي على كل الأراضي اللبنانية بلا استثناء فلا يقولن له أحدٌ "ان دورك هنا ولا تتجاوزه!".

نقول هذا تحديداً، ونحن نتعاطف معه في مواجهته الحالية.. ولكن ماذا نفعل الآخرين المنتشرين "بؤرة" أمنية وكانتونية ومذهبية وأسلحة من كل العيارات لا تأتمر لا بسلطة شرعية ولا بشراكة ولا بمرجعية داخلية! وماذا نفعل بالآخرين الذين يهددون بتعطيل الانتخابات باستفزازات أمنية وعمليات ترهيب وتخويف للمجتمع المدني.

فعل ستكون معارك الجيش مع العبسي ومن ثم مع البعض من المهربين، مقدمة لحماية أمن الاستحقاق الانتخابي من بعض الفرقاء.. من أصحاب السوابق في الاعتداءات وتعطيل المؤسسات والتهويل بالويل والثبور والطعن في شرعية هذه الانتخابات سلفاً!
نتمنى ان يكون الجيش، بعد الانتهاء من المطاردات الحالية… في المكان الأرحب: حماية الجماعات والأفراد والأمكنة والأفكار.. والخيارات عشية الاستحقاق الانتخابي.
ونظنه سيكون هناك مع الجمهورية اللبنانية بنظامها البرلماني ودستورها مع الجمهورية المقبلة بأصوات بارادة الناس الحرة.
كأننا في محاولة عبورنا الى الدولة نرفع الشعار المكمل، العبور الى الجيش!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل