المعارضة في بيروت الثالثة تُضيّع بوصلة معركتها
ثائر غندور
غريبٌ أمرُ من يطرحون أنفسهم معارضين لتيّار المستقبل في بيروت. فأقلّ ما يُفترض بهذه القوى فعله ـــــ إذا ما أرادت أن تخوض معركة انتخابيّة في وجه المستقبل ـــــ هو أن تتحد في لائحة واحدة، وهو أمرٌ قد يكون من المبكر الحسم بعدم حصوله، لكن المعطيات حتى الآن لا تشير إلى ذلك. فحتى اليوم، عندما تسأل أيّاً من الأعضاء المفترضين في هذه المعارضة عن شكل لائحتهم، يجيبون بأنّ من المبكر البحث في هذا الموضوع في الوقت الحالي «وأمامنا نحو ستّة أسابيع»، كما يقول مرشّح جبهة العمل الإسلامي، الشيخ عبد الناصر جبري.
لكنّ الأهم من هذا كلّه هو تكاسل ماكينات المعارضة. فإذا استثنينا حركة الشعب التي أطلقت ماكينتها الانتخابيّة، فإن القوى الباقية لم تُحرّك ماكينتها جدياً، وتكتفي بترداد أنها تنطلق وفي صندوق الاقتراع 15000 صوت لمصلحتها، وهذه الأصوات شيعيّة (وهو رقم يجب التدقيق فيه)، لكن لا أحد يقول ما هو حجم الإضافات عليها.
وفي البحث عن الأسباب التي تؤدّي إلى عدم توافق قوى المعارضة على لائحة واحدة، تتبيّن ثلاث عقد أساسيّة:
تتمثّل العقدة الأولى في ترشّح رئيس حركة الشعب، النائب السابق نجاح واكيم، يُقابله الوزير السابق بشارة مرهج. وحتى اليوم يبدو الطرفان مصرّين على المضي في ترشّحهما. ويرى واكيم أن ترشّحه وإبراهيم الحلبي هو قرار اتخذته حركة الشعب، «وإنّ من يلتقي معنا ويريد أن يتحالف معنا، نرحب به». وبدوره، يقول مرهج إنه مستمر بترشّحه، "ولا سبب أو مبرر يدفعني إلى الانسحاب من هذه المعركة، وعندما ترشّحت لم يكن هناك في الأفق أي مرشّح آخر». وأشار مرهج إلى أنه يعمل على تأليف لائحة تُعبّر عن أهل بيروت، «لذلك أنا على تواصل مع الجميع، ولا سيما بهاء الدين عيتاني وعمر غندور وريمون أسمر ورفيق نصر الله». وينقل معارضون عن واكيم قوله: «فلتُجرِ المعارضة استطلاعاً للرأي، ومن يحُز النسبة الأعلى يتم تبنيه مرشحاً»، وقد زار واكيم أمس أحد المرشحين السُّنة، وأطلعه على نتيجة آخر استطلاعات الرأي التي تقول إنه سيكون أول اللائحة.
ويقول مطّلعون على أوضاع المعارضة في الدائرة الثالثة، إن مرهج ترشّح بعدما سمع كلاماً علنياً من واكيم ضد قانون الستين، ما أوحى أن حركة الشعب تتجه صوب مقاطعة الانتخابات النيابيّة.
أمّا العقدة الثانية، فهي عقدة المقعد الشيعي، إذ يترشّح النائب السابق ناصر قنديل والزميل رفيق نصر الله، الذي يقول إنه مستمرّ في ترشّحه، «وأنا مرشّح المعارضة، ومستمرّ حتى النهاية».
بدوره، يُعيد قنديل التذكير بما قاله خلال إعلان ترشّحه، عن أنه يربط هذا الترشيح بحالة من اثنين: أن يكون هناك دور لما سمّاه الخيارات المستقلة، أي الرئيس سليم الحص والوزير بهيج طبارة والوزير بشارة مرهج وكمال شاتيلا وفؤاد مخزومي وخالد الداعوق بالتعاون مع جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية والحزبين القومي والشيوعي. لكن هذا الأمر لم يتحقّق بحسب قنديل. أمّا الموضوع الثاني، فهو إنضاج المصالحة البيروتيّة عبر «عدم مصادرة القرار الشيعي فيها وتركه شاغراً»، وهو أمر لا يزال قابلاً للتحقّق كما يقول قنديل، لكن هناك العديد من المعطيات التي تُشير إلى أن قنديل سينسحب قريباً لمصلحة نصر الله.
أما بالنسبة إلى المقاعد السنية الخمسة، فإن المعارضة تخطط للترشح عن أربعة فقط وترك المقعد الخامس للنائب الحريري، وطبعاً هناك «عجقة» مرشّحين معارضين، إذ يترشّح عن هذه المقاعد كل من: النائب السابق بهاء الدين عيتاني، رئيس نادي النجمة الأسبق عمر غندور، نائب رئيس جبهة العمل الإسلامي الشيخ عبد الناصر الجبري، مرشّح حركة الشعب إبراهيم الحلبي، مرشّح القوى الناصريّة صالح العرقجي، خليل خرما، زهير الخطيب ومحمود علوان وآخرين. ويقول مطّلعون إن معظم المرشحين في هذه الدائرة يُحاولون الابتعاد عن الجبري لكونه رجل دين، وفي الوقت عينه، فإن التوجّه العام عند المعارضة هو تأليف لائحة غير مكتملة عبر إبقاء مقعد سني شاغراً، ما سيعمّق الأزمة.
لكن نصر الله يرى أن ملف هذه الدائرة أصبح بين يدي ثلاثي المعارضة: السيد حسن نصر الله، الرئيس نبيه برّي، والجنرال ميشال عون، الذين سيقرّرون الشكل النهائي للّائحة. وتوقّع إعلان اللائحة منتصف الأسبوع المقبل. لكن بات محسوماً وجود عمر غندور وبهاء الدين عيتاني وخالد الداعوق على اللائحة، أمّا على صعيد المقاعد الباقيّة فمن المؤكّد أن اللائحة ستضم: غالب أبو مصلح عن المقعد الدرزي، ريمون الأسمر عن مقعد الأقليات ودونالد بابيكيان عن المقعد الإنجيلي.
ومن المشاكل الإضافيّة التي تواجه حركة المعارضة في هذه الدائرة، اعتكاف جمعيّة المشاريع الخيريّة عن الترشّح، نتيجة عدم تلبية المعارضة لمطالبها بالحصول على مقعد نيابي مضمون خارج بيروت حتى تخوض المعركة إلى جانب هذه القوى، إذ إنّها موجودة شمالاً، بقاعاً وفي صيدا والشوف وبيروت. وقد زار أخيراً عدد من المرشحين في بيروت الثالثة مقرّ الجمعيّة، ومنهم بهاء الدين عيتاني ونجاح واكيم، لكن الجميع سمع جواباً واحداً من الجمعيّة: نحن غير معنيين بالانتخابات.
ويقول المسؤول الإعلامي في الجمعيّة، الشيخ عبد القادر الفاكهاني، إن قيادة الجمعيّة لا تزال تدرس خياراتها لجهة الانتخاب أو عدمه، «لكن الأكيد هو عدم وجود أي دافع عندنا لخوض المعركة». وعند سؤاله عن إمكان بلورة دافع ما خلال الأسابيع القليلة المقبلة، يُجيب: «الله أعلم». ويُشير إلى أن الجمعيّة لم تُحرّك ماكينتها بعد، مؤكّداً أن جمهورها سيلتزم بقرارها كيفما أتى «وهو أمر مرهون لقيادة الجمعيّة، وعلى كلّ حال لا يزال أمامنا ستة أسابيع».