بعدَ مبادرة خادم الحرمَين الملك الأردني يبلغ أوباما أن المبادرة العربية قائمة "حتى" 2009..
والمؤشرات الى "تنظيف البيت العربي"
"النظام العربي" في مرحلة الإمساك بمقتضيات تحوّله راديكالياً
عندما أطلق خادم الحرمَين الشريفَين الملك عبدالله بن عبدالعزيز مبادرته الى "المصالحة العربية" في قمّة الكويت الاقتصادية قبل نحو ثلاثة أشهر معلناً أن مبادرة السلام العربية لن تبقى على الطاولة الى الأبد، فإنه في واقع الأمر وحقيقته كان يؤشّر الى اتجاه "النظام العربي" نحو "التجذّر"، أي نحو نسبة عالية من "الراديكالية" بفعل الإطاحة الإسرائيلية المتمادية بعملية السلام الإقليمية، ما بات يستوجب منهجيّة عربية مختلفة تماماً.
إجتماع عمّان: المبادرة العربية في 2009
لم تشكّل قمة الدوحة نهاية آذار الماضي إطاراً لـ"ترجمة" قول الملك عبدالله إن "مبادرة السلام العربية لن تبقى على الطاولة الى الأبد". غير أن إجتماع وزراء خارجية ستّ دول عربية ـ بغياب سوريا ـ في عمّان قبل أيام نجح على ما يبدو في تحقيق الترجمة المطلوبة لما أراد العاهل السعودي التشديد عليه.
مناسبةُ الاجتماع الوزاري العربي، زيارةٌ يقوم بها الملك الأردني عبدالله الثاني الى الولايات المتحدة الثلاثاء المقبل في 21 نيسان الجاري ليكون بذلك أول زعيم عربي يلتقي الرئيس الأميركي "الجديد" باراك أوباما. أما "الترجمة" التي توصّل إليها وزراء الخارجية الستّة، ويحملها العاهل الأردني الى واشنطن، فتقضي باعتبار مبادرة السلام العربية قائمةً "حتى" نهاية العام 2009، وبعد ذلك ثمة "قول" عربي آخر.
وقتٌ كاف لأوباما
إن هذا الموقف العربي بتحديد فترة زمنية تستمر المبادرة العربية قائمةً خلالها، يأخذ في الاعتبار ـ بحسب العديد من المتابعين عن كثب ـ أمرَين رئيسيين.
الأول هو أن ثمة إقتناعاً عربياً بإعطاء الرئيس أوباما فرصته كي يضع عملية السلام في الشرق الأوسط على السكة. أي أن "النظام العربي" لا يريد "صدم" إدارة أوباما بـ"متغيّر استراتيجي" دفعةً واحدةً. وفي اعتبارات ذلك الإقتناع العربي، ليس فقط أن أوباما أعرب عن "نوايا حسنة" منذ اللحظة الأولى لدخوله الى "البيت الأبيض"، لكن أن الفترة المتبقية من العام 2009 الجاري كافيةٌ ليعرف أين تقف أميركا في "الموضوع الإيراني" وغيره من الموضوعات الرئيسية التي تشغله كما أفغانستان والباكستان.
..و"حلّ الدولتين" يغدو عملياً بلا معنى
أما الأمر الثاني فهو أن ثمة إقتناعاً عربياً بأن ما يُسمّى في واشنطن "حلّ الدولتين" من شأنه، مع تقدّم الأيام والأسابيع والشهور، أن يفقد أرضيّته الموضوعية في ظل الإستيطان الإسرائيلي المتمادي في الأراضي الفلسطينية وفي مقدّمها القدس، وسط إنفلات متوقّع للاستيطان مع حكومة اليمين المتطرّف في إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو، بحيث سيغدو الحديث عن دولتين حديثاً عن دولة متوسّعة وعن أخرى (فلسطينية) من دون أرض.
بكلام آخر، إن الموقف العربي الذي سيبلّغه الملك عبدالله بن عبدالحسين الى أوباما، والقاضي باعتبار مبادرة السلام العربية قائمة حتى نهاية 2009، يُعطي الرئيس الأميركي وقتاً من ناحية لكنه ينبّه بقوة الى حقيقة أن "حلّ الدولتين" يغدو سريعاً بلا معنى.. من ناحية ثانية.
"النظام العربي": الجمع بين الراديكالية وإدارتها
في قراءةٍ لهذا التطوّر الكبير الذي يمثّله تجذّر الموقف العربي أي جذريّته و"راديكاليّته"، يرى متابعون جادّون ضرورة وضع الأمور في نصابها.
فـ"النظام العربي" الذي يقول إن المبادرة العربية للسلام لن تُمدّد أو تُجدّد بعد نهاية العام 2009، ما لم تكن العملية السلمية الإقليمية إنطلقت مجدداً وما لم تكن العقبات الإسرائيلية في وجهها قد "أنهيت"، لا يقول في المقابل إنه سيعود نحو ثلاثة عقود الى الوراء، أي لن ينتقل من "مشروع السلام" الى "مشروع الحرب". سيكون "النظام العربي" بعد 2009، إذا أطيح بالعملية السلمية الجدّية مجدداً، حريصاً على أن يجمع بين يديه إدارة "المعركة" السياسية أو "المواجهة" السياسية ـ ومترتّباتها ـ وإدارة "العلاقات" السياسية ومتطلّباتها في آن. وإذا أضحى عنوان "الدولتين" منتهياً عملياً، فإن المعركة وإدارتها ستركّزان على عنوان آخر ينسجم مع الحلّ الوطني الفلسطيني.
أخطار في وجه المرحلة الجديدة
إن جمع "النظام العربي" بين الراديكالية السياسية في الموقف والمعركة السياسية في الإطار العملي، يجعل أركان هذا النظام يدركون مسبقاً ـ بحسب المتابعين الجادّين ـ خطورة وقوع الوضع العربي في دائرة خطر كبير. فقد تكون "الفوضى" هي ذلك الخطر، أي أن تحصل محاولات للتلطي خلف راديكالية الموقف السياسي الرسمي لـ"النظام العربي" في سبيل إخراج المبادرة من يده. وقد يكون "كُمُون" البعض للأنظمة العربية بهدف التعرّض لها هو الخطر. وقد يكون إشعال فتن تغرق الوضع العربي لحساب القوى الإقليمية وصراعاتها هو الخطر.
وحدة البيت وإستعادة قضية فلسطين
على أساسٍ من هذه الأخطار التي ثمة مقدمات لها وثمة إحتمالات لتصاعدها، يعتقد المتابعون الجادّون أن "النظام العربي" بدوله الركنية خصوصاً إنما يسعى في ثلاثة إتجاهات متكاملة.
إتجاه إستكمال المصالحة العربية، أي تحقيق هذه المصالحة على أساس الترجمة المشار إليها لمبادرة خادم الحرمين، تحقيقاً لوحدة "النظام العربي".
إتجاه إستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية ووحدة الشرعية الفلسطينية إستعادةً للقضية الفلسطينية الى "الحاضنة" العربية، وهذا ما يؤشر إليه الدور المصري المدعوم عربياً في مجال الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني في القاهرة.
.."والتنظيف"
وإتجاه "تنظيف البيت العربي" أي إنهاء التلاعب الإيراني بالأوضاع في غير بلد عربي، كي يُفرض بحث جدي على إيران للعلاقات العربية ـ الإيرانية وكي لا يكون الوضع العربي "ورقة" إيرانية تُستخدم نفوذاً في هذا البلد أو ذاك أو مساومة مع جهات خارجية أخرى على أوضاع هذا البلد أو ذاك.
إن المقصود من خلال كل المقدمات الآنفة هو التأشير على مرحلة عربية جديدة قيد "التشكّل"، وهو محاولة تقديم "مساعدة" لكل تحليل لأحداث وقعت وأخرى يمكن أن تقع في سياق إتجاه "النظام العربي" الى الراديكالية من ناحية، وإتجاه هذا "النظام" الى الإمساك بـ"بيته الداخلي" من ناحية أخرى.