كتاب مفتوح الى سعد الحريري ونايلة تويني ونديم الجميّل:
هذه هي الأبعاد الجيو ـ سياسية لمعركة بيروت!
د. نبيل خليفة
"أبناء الشهداء لا يرثون المناصب بل المسؤولية".
يخوض اللبنانيون، في السابع من حزيران المقبل، معارك انتخابية على امتداد أرض الوطن في أول إحياء للعملية الديموقراطية اللبنانية، بعد إسقاطها على يد السوريين في انقلاب العام 1992، وتجهد التيارات السياسية المختلفة، كما يجهد المستقلّون، في صوغ برامجهم السياسية التي يخوضون الانتخاب على أساسها.
وتكاد هذه البرامج أن تكرر نفسها وتقتصر على عنوانين عامّين: الطروحات الوطنية والمطالب الإصلاحية في السياسة والاجتماع والاقتصاد.
ولئن كان اللبنانيون موضوعين، بشكل عام، أمام خيارين: السلطة (بالديموقراطية) أو التسلّط (بالسلاح كاستمرار للحقبة السورية) والاستقرار (بالسلام) أو اللاإستقرار (بالحرب)، فإن واحدة من هذه المعارك هي الأكثر خطورة وأهمية لأنها تتجاوز الكلام السياسي العاديّ نظراً لما تكتسبه من أبعاد جيو ـ سياسية: إنها معركة العاصمة بيروت بكل دوائرها، حيث يترشح فيها أولاد الشهداء: سعد الحريري، نايلة تويني ونديم الجميّل.
ثمانية أسئلة تضيء على جيوبوليتيك بيروت في الصراع للسيطرة على لبنان انطلاقاً من السيطرة على العاصمة:
1 ـ لماذا أقام حزب الله مهرجان الشكر لسوريا (8 آذار 2005) في ساحة رياض الصلح في قلب بيروت ولم يقمْه في الضاحية كالعادة؟
2 ـ لماذا تمّ الاعتصام في قلب العاصمة وشلّ مؤسساتها لما يزيد على سنة على أبواب السرايا ومجلس النواب؟
3 ـ لماذا أقفل مجلس النواب واعتبرت حكومة الرئيس السنيورة غير شرعية من جانب السيد نبيه بري والمعارضة؟
4 ـ لماذا قام حزب الله باحتلال بيروت الغربية بقوة السلاح في عملية 7 أيار؟
5 ـ ثم لماذا أقام الحزب، بعد ذلك، ولا يزال مراكز أمنية في النقاط الاستراتيجية في غرب العاصمة وعلى أطرافها؟
6 ـ لماذا أصرّ حزب الله على "تعيين" ممثل له (نائب) في بيروت الثانية خطياً في اتفاق الدوحة (دون غيرها من دوائر لبنان)، باعتبار ذلك دفعة على حساب عملية 7 أيار؟
7 ـ لماذا أصرّ حزب الطاشناق على خمسة مقاعد من ستة للأرمن، كي يكون له تحديداً، ثلاثة مقاعد في بيروت وليس إثنان من أصل أربعة اقترحها عليه السيد سعد الحريري؟
8 ـ لماذا تحوّلت معركة بيروت الى معركة أساسية لدى العماد عون بدءاً بالاعتصام، مروراً بقطع الطرق، وصولاً الى الترشيح "العسكري"، وانتهاء بالتصريحات اليومية المتكررة حول معركة "تحرير" الدائرة الأولى ومهاجمة "الأولاد"؟
… إن قراءة متعمّقة ومتأنّية في ما تطرحه هذه الأسئلة، تبرز الأبعاد الجيو ـ سياسية لمعركة بيروت على أنها المعركة الكبرى التي تخوضها المعارضة بزعامة حزب الله انطلاقاً من القاعدة القائلة: إن السيطرة على العاصمة بيروت هي المدخل الصحيح لتأكيد السيطرة على كل لبنان!
1 ـ في علم الجغرافيا السياسية، إن العاصمة في كل بلد هي "مدينة لها المقام الأول بين مدن الدولة. فيها تقيم الحكومة، فهي عاصمة سياسية وإدارية وعلمية ومالية وتجارية للبلد". وكما يقول جان غوتمان، "فإن العواصم السياسية للدول تمثّل الصحة والنظام والقوة للدولة.. وهي تجسّد الروح الوطنية والرابط بين حاضر الأمة وماضيها. فهي المدينة الأكثر أهمية في البلاد، ليس بسبب كبرها وإنما بتأثيرها الوطني".
2 ـ وفي رأي راتزل أن العاصمة هي من الأجزاء الحيوية في الدولة. وإن أول هدف للساعين للسيطرة على الدولة، ليس السيطرة على كل أرضها، بل الاستيلاء على العاصمة وعقدة المواصلات والاتصالات". فكيف إذا كانت هذه الحالة تنطبق على بيروت التي هي في الوقت عينه: عاصمة لبنان وعقدة الاتصالات والمواصلات فيه؟
3 ـ لدى حزب الله مشروع شامل معروف ومعلن هو جزء من مشروع الدولة الإسلامية بآفاقها الخمينيّة وشرعية ولاية الفقيه. وهو مشروع "لبنان جمهورية إسلامية"، مهما جرى التكتّم بشأنه والتعتيم عليه، ويهدف الى السيطرة على لبنان من ضمن مشروع إقليمي بارز المعالم. وإن مقاومة إسرائيل ليست الهدف بل الوسيلة، وإن تحقيق المشروع كان ويبقى هو الهدف.
4 ـ إن الطائفة الشيعية الكريمة التي ينتمي إليها حزب الله وحركة أمل هي في تموضعها الديموغرافي/ الجغرافي طائفة طرفية (périphérique) في لبنان، كونها متمركزة كنواة صلبة في أطراف البلاد، الجنوب والشرق (بعلبك والهرمل) مع هجرة داخلية الى الضاحية الجنوبية لبيروت، وتمدّد فيها وحولها. ولذا فإن تأثيرها في العاصمة يبقى ضعيفاً ومحدوداً! فبيروت هي في الأساس مدينة سنّية ـ أرثوذوكسية بامتياز، وبقية الطوائف تتبع!
5 ـ يشعر حزب الله أن ما حققه من إنجازات ضد إسرائيل لم يترجم بثقل معادل ومركزي في النفوذ السياسي والسيطرة على مركز القرار اللبناني عبر السلطة المتمركزة في بيروت، ممثّلة برجل متنوّر وفولاذي هو الرئيس فؤاد السنيورة. ولهذا قرر أن:
ـ يطوّق هذه السلطة بواسطة الاعتصام في الوسط التجاري.
ـ يشلّها باحتلال المنطقة السنّية (بيروت الغربية) ويقيم فيها أمنياً.
ـ ويزيحها بل ويقلبها، بوضع اليد على بيروت العاصمة إذا أمكنه ذلك وعندما تسنح الظروف!!
ـ ويطوّق بيروت الشرقية في الوقت عينه.
6 ـ في المقابل، يعمل الجنرال عون، انطلاقاً من اعتباراته الذاتية، كونه يرى في شخصه "الأساس والمركز والمرجعية"، في رؤيته الطوباوية لدوره السياسي على تأكيد "حقه" في السلطة على قاعدة التسلّط، ملاقياً حزب الله في استهداف بيروت، بالوسائل كافة، كمدخل وخطوة لوضع اليد على السلطة بالمشاركة مع حزب الله. فبعض قادة الشيعة والعماد عون لديهم شبق دفين وعتيق الى السلطة. وهذه مسألة تؤكدها الوقائع التاريخية والنفسية وليس التحليلات! ولذا فهم يستخدمون كل وسائل الترغيب والتهويل والتجريح والترهيب للوصول الى الهدف!
7 ـ أما بعض قادة حزب الطاشناق فيبدو أنهم دخلوا في مجازفة، بل في مغامرة تحمل في ثناياها عناصر طعن القضية الأرمنية في أشرف مكوّناتها: قدسية الأرض. من أرمينيا الكبرى.. الى كيليكيا.. الى انطلياس، ينسى هؤلاء أو يتناسون أن شعبهم هرب من أرض الاضطهاد والمجازر.. الى أرض الحرية. وإن موقع الشعب الأرمني الحقيقي، لا يمكن أن يكون الى جانب من لا يقبلون بـ"لبنان أولاً"… ولا بترسيم حدود لبنان النهائية لتثبيت قدسية الأرض اللبنانية التي هي الضامن الوحيد لحرية الأرمن والآخرين، ولا بلبنان حقيقة جغرافية وتاريخية ودولة سيدة حرة مستقلة، ومن يسعون لأن يفرضوا على المواطنين إيديولوجية أصولية شمولية! ومن يحاولون استغلال الوجود الأرمني في بيروت كرافعة انتخابية ـ سياسية لوضع يدهم على العاصمة!
… إن الكنيسة الأرمنية، ولا سيما غبطة البطريرك كشيشيان، قادرة على تذكير هؤلاء بضرورة تثبيت الخيار الأرمني في الخط التاريخي للقضية الأرمنية وليس في خط هذا أو ذاك من الفرقاء السياسيين! إن القضية الأرمنية هي أشرف بكثير من ألاعيب بعض السياسيين الأرمن وإن الخروج منها وعليها ستكون له تداعيات سلبية على المستقبل!
الأعزاء سعد ونايلة ونديم،
هذه ملامح التحديات التي تنتظركم، أنتم أبناء شهداء بيروت ولبنان، ولذا شئت أن أوجّه هذا الكتاب المفتوح إليكم لأنكم تمثّلون رمزية بيروت المناضلة حتى الشهادة، شهادة الآباء رفيق وجبران وبشير، لكي، مع كل مرشحي 14 آذار، وشعب بيروت، تدركوا ما ينتظركم وتحفظوا وجه بيروت الحرة، التي كانت السبّاقة، انطلاقاً من الأشرفية بالذات، الى التحرّر من الاحتلال السوري في حرب المئة يوم عام 1978.
.. وغداً، في السابع من حزيران ستقول بيروت كلمتها المدوّية الى جانبكم.
بيروت الوفية.. بيروت عروسة المتوسط.
وعلى صوت أجراسها ومآذنها سيبزغ الفجر.
فجر الأحرار.. والحرية!
فجر الوفاء لرفيق وجبران وبشير وكل شهداء القضية!