#adsense

“التمييز الإيجابي” لمصلحة المسيحيين واجب وطني

حجم الخط

"التمييز الإيجابي" لمصلحة المسيحيين واجب وطني

تفرض في الأصل قواعد الاحترام والاخلاص، لمبادئ العدل والمساواة وتكافؤ الفرص، النظر الى التمييز ـ كيفما كان شكله ـ كاستثناء بغيض وكريه، يؤدي مجرد التفكير فيه أو محاولة السعي الى تطبيقه واعتماده، في ظرف معين، أو في مرحلة محددة، الى تشكل وولادة مناخ يسهل نشوء عوامل الاعتداء على مفاهيم التكافؤ والانسجام والانصاف، التي تستند اليها قاعدة الاحترام الأصلية، التي تترجم معاني نواميس الطبيعة وحقوق الأفراد والجماعات، التي يفترض ان تكلفها وأن تحميها القوانين الوضعية والشرائع الدينية، التي نبذت وحرمت في معظمها، اللجوء الى اعتماد التمييز في ما بين البشر.

يتخذ التمييز كمفهوم بغيض وكريه، أشكالاً متعددة ومتنوعة، تبدأ بالتمييز على أساس اللون والعرق والدين، وتنتهي الى تعميم وتوسيع هذا التمييز، لكي يشمل مروحة أكبر من المحرمات، قد تمتد الى التمييز القائم على تصنيف الأفراد والجماعات، بناء على الغنى أو الفقر أو على أساس "النوع الاجتماعي" والجهوي أو نسبة الى مستويات الدخل المادي ومستوى التحصيل والتعليم.

لم تستطع محاولات القضاء على التمييز التي بذلت وما زالت تبذل، من قبل الأفراد والهيئات الأهلية والمدنية وحتى الحكومية، ان تمنع أو أن تحد من ظواهر التمييز، رغم الجهود الكبيرة ورغم صدور العديد من القوانين والتشريعات، في الكثير من المجتمعات والدول، ذلك أن للتمييز بكافة أشكاله، وبجميع صوره التي تزداد يوماً بعد آخر، صعوبة حصر واحاطة تداعياته وسلبياته، أسباباً اجتماعية ودينية متأصلة، ترجع في أحوال كثيرة الى من يقوم بممارسة فعل التمييز، وتعود في أحوال عديدة اخرى، الى المميّز ضده.

حتّم الدوران في حلقة التمييز المفرغة، على حكومات بعض المجتمعات التي عانت وما زالت تعاني من السلبيات الناتجة عن إفرازات التمييز بوجهيه، المميز والمييز ضده، الى اعتماد أفكار مبتكرة ساهمت والى حد كبير، في الحد من سلبيات التمييز التي لم تستطع التشريعات والقوانين التي تنص على المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، من أن تقضي على مفاعيل التمييز التاريخية، فعملت على استصدار أنظمة وأحكام وقرارات إدارية، تنسجم وتأتلف مع هذه القوانين والتشريعات، تكون غايتها القضاء على مفاعيل التمييز التي تصدر عن المميز ضده حصراً، بحيث يتكامل الجانب الزجري لهذه القوانين التي تمنع المميز من الاستمرار في تمييزه، مع مفاعيل القصور الذاتية المولدة لفعل التمييز، التي تصدر عن الافراد، أو عن الجماعات الواقعة تحت تأثير وعبء التمييز.

يعود الفضل في ابتكار مفهوم "التمييز الايجابي" الى الولايات المتحدة الأميركية، التي كانت السباقة في اعتماد هذا المفهوم الحديث والمبتكر، فتاريخ الولايات المتحدة الأميركية، يزخر بالتمييز وظواهره وبمحاولات القضاء على هذه الظواهر، وقد أظهرت محاولات القضاء على التمييز ضد المواطنين الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية، عبر التشريعات والقوانين التي اخضعت التمييز التي تصدر عن الأميركيين البيض، تجاه مواطنيهم من السود، للعقوبات الجزائية، فشلها وعقمها، فقد فشلت هذه القوانين في القضاء على التمييز وأشكاله، لأنها هدفت في الاصل الى منع مظاهر التمييز التي تصدر عن مرتكب الفعل، ولم تلتفت الى الظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، التي تحيط بمتلقي فعل التمييز، وأثبتت الدراسات والأبحاث اللاحقة، بأن معظم حالات التمييز التي تصدر عن الأميركيين البيض تجاه السود، ترجع الى خوف هؤلاء، من الصورة النمطية التي ألصقت بالسود، والمعبر عنها بارتفاع نسبة البطالة والجريمة لدى ذوي الأصول الأفريقية، وقد أظهرت هذه الأبحاث والدراسات، بأن التشريعات التي تجرّم التمييز العنصري لا تكفي وحدها للقضاء على هذا التمييز، ويمكن السبب في أن هذه القوانين والتشريعات، قد قصرت علاجها على الركن الأول لفعل التمييز، والذي يكتفي بمعاقبة مرتكب الجرم، ولم تلتفت الى الركن الثاني الذي يؤلف هذا الفعل الجرمي، والذي يتحدد بانخفاض وتدني مستويات التعليم والبطالة ذات الجذر التاريخي، التي ستبقي المواطنين الأميركيين السود، عرضة للنقص وللاختلال المزمن، تجاه باقي الجماعات التي تؤلف الفسيفساء الأميركية.

لقد تمكن الأميركيون الى حد بعيد، من كسر هذه الحلقة المفرغة، عبر اعتماد مجموعة من الخطوات ميزت الأميركيين السود عن باقي الجماعات، فعمل على تخفيض معدلات النجاح الواجبة لدخول المدارس والمعاهد والجامعات، لصالح السود دون بقية الشرائع، وقد أتاحت المعاهد العسكرية وأسلاك الشرطة والأمن أيضاً، المجال لتخرّج أعداد أكبر من الضباط السود، عبر اعتماد معيار "العلامة المؤهلة" التي تستند الى خفض المعدل العام الواجب للنجاح، وفي مجال الإدارة والعمل والتجارة والاسكان، تم اللجوء الى الاسلوب نفسه، فلقد أيقنت الحكومات الأميركية المتعاقبة، بأن الفرز العمودي للمجتمع الأميركي وبأن الهوة التي تفصل ما بين الأميركيين من البيض والسود، وبأن القصور الذاتي المزمن لدى السود، الذي يزيد من معدلات التخلف والبؤس، هي عوامل واقعية ظاهرة ومحددة، ما من مجال للحد منها وللقضاء عليها، سوى باعتماد مفهوم حديث ومبتكر يطبق التمييز المعكوس بصورة ايجابية.

في العالم الإسلامي وفي عالمنا العربي اليوم، تسعى "حركات المقاومة" وجماعات الإسلام السياسي المؤدلجة، الى إعادة بعث والى محاولة استحضار صور مرذولة من التمييز، وتسعى أيضاً الى تعميم مفاهيم كان قد نبذها الدين الإسلامي، فالطبقية ومجتمعات الطبقات وعوالم الخير والشر ومجتمعات الحرب والسلم، وتقسيم الشعوب والتمييز ما بين مسلم عاصٍ وآخر مؤمن، وتصنيف المواطنين ضمن الدولة الواحدة، ما بين جمهور مؤمن بالمقاومة وآخر مذعن تابع للغرب ووصايته، هي "مفاهيم" تقوم على التمييز بكافة أشكاله، وهي مفاهيم ينشد أصحابها توسل وتسلق أبشع صور التمييز، التي تسلب المواطن الحر حريته التي كفلتها الدساتير والشرائع والقوانين.

في لبنان اليوم والذي لم يعرف مجتمعه وتاريخه الطبقية والطبقات، والذي لم تستطع ولم تقو الاحتلالات والاستعمارات المملوكية والعثمانية، على تكريس وتأبيد التمايز والتمييز ما بين طوائفه ومذاهبه، يسعى "التيار الوطني العروبي" الى إشاعة والى ممارسة أسوأ أنواع التمييز تجاه غالبية اللبنانيين المطالبين بالحرية والاستقلال، فشعب الرابع عشر من آذار الذي يتعرض اليوم للتمييز من قبل هذا التيار، والذي فقد خيرة رموزه وقادته بالاغتيال والذي يستعد لخوض انتخابات السابع من حزيران، ليؤكد من جديد عدالة قضيته وتفوقه الأخلاقي، لن يرضخ ولن يذعن الى مفاعيل التمييز الذي يمارس بحقه، والذي فاق بأشواط، ما كانت تمارسه الطغمة البيضاء في جنوب افريقيا بحق الأغلبية السوداء، إن "أطرف" ما يصدر اليوم عن منظري هذا التيار، هي الدعابة المسماة مناهضة الاستعمار ومساندة المستضعفين في العالم، ترى أيمكن أن يكون التضامن مع سكان المقاطعات الفقيرة في فنزويلا النفطية، ومصدرة ملكات الجمال، أو الإنحياز الى "عذابات" السكان الاصليين في بوليفيا وممثلهم ايغو موراليس، أجدى وأوفى من التضامن مع شعب الرابع عشر من آذار، الذي يواجه التمييز ضده بمسالمة ووداعة عن قوة لا عن ضعف.

في لبنان الذي يتهيأ شعبه المقاوم لشتى أنواع التمييز، لخوض معركة الحرية والكرامة والعنفوان عبر الانتخاب في السابع من حزيران القادم، تقف فئة من شعبه على طرف نقيض، لتخالف توق الأغلبية التي تتسلح بتفوقها الأخلاقي، الى الطمأنينة والاستقرار والرفاه. وفي لبنان اليوم، تقف فئة من هذه الفئة، لتدعي الحرص على مصالح المسيحيين، ولتعيد توفير الظروف التي تتكفل بحرف المسيحيين عن ثوابتهم الوطنية التاريخية. في هذا المجال تبرز في هذه الآونة محاولات التخويف، التي تصدر عن الجناح المسيحي في حلقة الثامن من آذار، والتي تصور القرار السياسي الذي يقضي بتنازل زعيم "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري، لصالح مسيحيي 14 آذار، على غير حقيقته، كحلقة في سلسلة التحريض الطائفي الذي أدمن هذا الجناح على استثمار نتائجه، منذ انتخابات العام 2005، حيث كان لهذا التحريض أكبر الأثر، في النتيجة النهائية للانتخابات التي أجبرت حركة 14 آذار على خوضها، استناداً الى خديعة "التحالف الرباعي"، الذي كان من نتائجه جر المسيحيين الى جهة تتناقض هويتها السياسية، مع ثوابتهم التاريخية.

في هذا السياق، يبدو وصف "الوقوف على الأعتاب" الذي صدر عن "التيار الوطني الحر"، والذي يراد من خلاله إظهار احزاب الرابع عشر من آذار المسيحية، كتوابع تستجدي المقاعد النيابية من زعماء الجناح المسلم في حركة 14 آذار، محاولة جديدة تبتغي تكرار مشهد الخديعة الذي شهدته الساحة المسيحية في العام 2005، وذلك بواسطة التحوير، وعبر التزوير الذي يسلب الأمر مقاصده الأصلية.

إن تنازل النائب سعد الحريري لصالح أحزاب 14 آذار المسيحية، هو تنازل يأخذ بالإعتبار نواقص ومساوئ قوانين الانتخاب التي باتت اليوم وبفعل التطورات السياسية والديموغرافية تسلب حقاً أصلياً للمسيحيين، الذين يحق لهم التعبير عن أنفسهم انتخابياً بحرية ودون منّة من أحد. بهذا المعنى، فإن تنازل النائب سعد الحريري، أو توافق رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط مع أحزاب "الكتائب" و"القوات اللبنانية" و"الأحرار"، على حفظ حقوق الاحزاب المسيحية في القوائم الانتخابية، هو تنازل حر لا يرهن بشرط ولا يقيد بقيد، وهو تنازل يميز ايجابياً لصالح المسيحيين الذين بات وضعهم اليوم وبفعل ممارسات عهد الوصاية ومفاعيل الاختطاف السياسي والتزوير، بأمس الحاجة الى ممارسة التمييز الايجابي لصالحهم، هذا التمييز الذي سيبعد عن الأذهان ذكريات أحد عشر قرناً من التبعية والذمية، التي تحتاج الى ما هو أكثر من مجرد مذكرة تفاهم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل