"التغيير" الذي بحاجة إلى تغيير
اكثر ما يثير الدهشة في الحملات الانتخابية تلك النزعة الإلغائية الموروثة التي تتملّك احد التيارات السياسية، وكان قد عبرعنها سابقا بحروب المراهنات الخاسرة، ويعبر عنها اليوم، تارة بالمتاجرة بالسيادة والاستقلال وتحصيل حقوق المسيحيين، وتارة اخرى باثارة قضايا الفساد ورفع راية "الاصلاح والتغيير". ومصدر الاستغراب والدهشة يكمن في اعتماد هذا التيار طوال الاربع سنوات الاخيرة، نهج "التغيير" المعاكس لكل الطروحات والمبادئ التي تقدم بها للناس ونال ثقتهم على اساسها قبل ان يعود ويطعن بمسيرة السيادة وشهدائها في الصميم، ويساهم بفعالية في الاحداث التي ادت الى انهاك البلاد بالعنف والتعطيل والفوضى .
والادهى ان هذا النهج "التغييري" قولاً والانقلابي فعلاً الذي انتهجه التيار العوني في السنوات الاربع الاخيرة، يحاول اصحابه اليوم ومن دون خجل، الامعان في تضليل الناس بعد تجربتهم "المظفرة" في الانقلاب على مسيرة السيادة والاستقلال واهانة تضحيات شهدائها، والتشكيك بشرعية ومشروعية الاكثرية المتبنية لمسيرة الدولة، وتغطية قوى الامر الواقع، المنتقصة من سيادتها وهيبتها وسمعتها.
وجهتان "تغييريتان" اعتمدهما تيار " الاصلاح والتغيير" طوال اربع سنوات، كانتا كفيلتين بتدمير لبنان وجعل مصيره مشابها لمصير الديناصورات المنقرضة لولا العناية الالهية وارادة ابنائه المخلصين، وذلك بمساهمة هذا التيار عن قصد او من دون قصد، في تدمير التنوع اللبناني وخصائصه الفريدة وجعله تفصيلا ملحقا وإضافيا في المحاور الشمولية. الوجهة الاولى، الطعن المبرح في شرعية الاكثرية في الحكم والمجلس النيابي والعمل على شل قدرتها على الحكم والتشريع، والالتقاء الموضوعي مع اصحاب مسلسل الاغتيالات الذي استهدف نواب الاكثرية ووزرائها من خلال حملات التشكيك بشرعيتهم الشعبية ومشروعيتهم الوطنية، وايضا التماهي مع فريق 8 آذار بالمواقف تجاه كل القضايا المصيرية، والتذاكي بتوزيع الادوار والمناورات التي هدفت طوال الفترة السابقة، الى شل قدرة الاكثرية ومنعها من الحكم، والتستر على جرائم القتلة والحؤول دون اقرار المحكمة الدولية.
اما الوجهة الثانية، فقد عبرت عنها ورقة التفاهم "المباركة" بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله"، هذه الورقة التي زينت بعبارات وعناوين منمقة وبراقة كانت نتائجها او الهدف منها على الاقل بالنسبة لـ"حزب الله" واحدا: حماية سلاح "حزب الله" وتأكيد مشروعيته مع ما جرّت وتجرّ هذه المشروعية وراءها من ويلات بنتيجة المشروعيات التي تمنح لسلاح الاحزاب والمجموعات المنضوية تحت اسم ما يسمى "سرايا المقاومة" في مختلف المناطق اللبنانية، والتي لا يمكن فصلها عن السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وفي داخل الحدود اللبنانية وخارجها لا سيما في ظل ما يحصل اليوم، من تعرض للجيش والقوى الامنية في اكثر من مكان وآخرها في منطقة البقاع، والسجال بين مصر و"حزب الله"، بشأن توقيف المجموعة التابعة للحزب داخل الاراضي المصرية.
فهذه الورقة، ورقة التفاهم التي يتغنى بها الجنرال السيادي والاستقلالي ميشال عون، ساهمت ولا تزال تساهم حتى الان، بشكل فعال في تغطية المشروعيات والمشاريع البديلة عن مشروع ومشروعية الدولة التي كانت هدفا دائما لـ"نيران" التيار الوطني الحر على مدى اربع سنوات بداية من خلال الطعن بشرعية الاكثرية التي تمخضت عن الانتخابات الاخيرة، ومن ثم عبر ورقة التفاهم التي كبلت التيار واجبرته على الصمت وعدم المساءلة ولو من باب رفع العتب، عن دور ومسؤولية الدولة في مسالة الحرب والسلم خصوصا في ضوء ما جرى خلال حرب عدوان تموز والخسائر البشرية والمادية الهائلة التي خلفتها هذه الحرب .
وفي "البوم" الاحداث التي اعقبت انتهاء حرب تموز وانضمام التيار العوني تحت تأثير حمى "النصر الالهي" الى فريق 8 آذار، يبرز "المجهود التغييري" لمجموعات تيار "الاصلاح والتغيير"، وهي في طليعة القوى المساهمة في اقفال الوسط التجاري ومحاصرة السرايا، ومقدمة الفرق "المنشّطة" للاقتصاد ومكافحة الهدر والفساد خلال احداث الايام السوداء. وكان "الزخم التغييرى" لدى "التيار الوطني الحر" قد بلغ ذروته في" مباركة" تعطيل المؤسسة الام ـ المجلس النيابي، لفترة اكثر من سنة ونصف، و كان "تعبيره الابلغ" عن الحرص على حقوق المسيحيين واجراء الاستحقاقات الدستورية في حينها، قد ظهر جليا اثناء فترة الاستحقاق الرئاسي وفراغ سدة الرئاسة لفترة امتدت اكثر من ثلاثة اشهر.
اما اغرب واعجب ما في الامر بعد هذا العرض السريع لنهج عون وتياره التغييري، فيتمثل في آخر ما ابتدعته مخيلة الاعلام الالغائي – التخزيقي التي هي نتاج تلك النزعة الموروثة منذ زمن حروب "الالغاء" و"التحرير". وقد تمثلت هذه البدعة الفنية كما بات معروفا، بتخزيق اعلانات تيار "المستقبل" واقتحامها بشكل فظ بعبارة: "لا مستقبل الا بالتغيير". فاذا كان صحيحا ان لا مستقبل الا بتغيير الواقع التعطيلي الذي ساهم بفرضه نهج "التغيير" العوني خلال السنوات الاربع الاخيرة، فمن الاصح والمؤكد انه لن يكون هناك اي مستقبل للبنانيين الا بتغيير هذا "التغيير"!!!