عادت الـ MTV
عادت "أم تي في" أو "الصوت الحر في خدمة الحرية"، بعد اقفالها في الرابع من أيلول 2002. عرضت تقارير عن التطورات السياسية للمرحلة السوداء التي رافقت الاقفال، ثم اعلنت انها "صوت حر في خدمة الحرية". عادت المحطة التي استوجبت جرأتها قرارا بالاعدام لمسيرة رفض الوصاية، ليبدأ العد العكسي للنظام الامني وادواته. الأروع انها اعادتنا الى ذاكرة الضرب على رؤوس المشاركين في التظاهرات الطالبية بأعقاب البنادق، الى زمن المبعدين والمنفيين والمعتقلين والممسوكين من رقابهم بتهمة التعامل مع العدو الاسرائيلي، كلما "كزبر" بدن الوصاية السورية ورموزها. اعادتنا الصور المستعادة من زمن القمع والنضال الى القهر الذي رافق عهد رئيس "المثل والمثال" ولم ينته الا بقصف عمر كل الاصوات التي كانت تنادي بالحرية والسيادة والاستقلال. عادت لتحذرنا من ان العودة الى ما قبل 2005 و"ثورة الارز" تعني عودة سياسة كم الافواه اذا انزعج الزعيم الذي لا يتحمل كلمة نقد، اياً يكن حجمها، واذا استولى على السلطة، فلن يفكر مرتين قبل اخراس اي صحافي لا يستوعب عبقريته، ولن يتورع عن اقفال محطة تلفزيونية لأنها "تسمّ البدن".
استرجعنا مع المشاهد المؤرشفة سمير قصير يسأل عن صلاحية الوجود السوري الموقت، وجبران تويني يسأل عن انتقاص السيادة اللبنانية، وسمير فرنجية يطالب بإطلاق جميع المعتقلين في الثامن من آب 2002 فورا، ووليد جنبلاط يسأل عن سبب استمرار الوصاية ويدعو الى المصالحة في الجبل، وعاصم قانصوه يطالب بمحاكمته، ونسيب لحود يؤكد معركة الكرامة والاستقلال، وجورج حاوي يؤكد استمرارية الوفاق الذي ارست اسسه هذه المعركة.
عدنا الى زمن كان ميشال عون لا يجد الا شاشة "ام تي في" منبرا، والبطريرك مار نصر الله صفير يحرك الشارع لنصرة الجنرال وعودته، ويبشر بأن المعركة الوطنية وحدت صفوف كل قوى المعارضة. آنذاك كان البطريرك وطنيا، ولم يكن يستحق الرجم لأنه كان يريد ان يسير اللبنانيون بحرية ويداً بيد. آنذاك كانت "قرنة شهوان" مطية مثالية للإطلالة على الجمهور المطلوب لضمان العودة. وبعد العودة الميمونة انعدمت الحاجة لهذه المطية، وانفرط عقد المدسوسين فيها ومترسوا حيث مربط خيلهم، فكان القرار بـ"فرمها" حتى يبدأ التمهيد للقضاء على الاصوات النافرة في مسيرة "انا او لا أحد". قد لا تلبي المحطة العائدة طموح البعض لكنها بالتأكيد تذكّرنا بما نحاول تجاهله، وكأنها تحذّرنا من نحر مشروع "14 آذار" و"ثورة الارز"، تماماً كما تم نحر "قرنة شهوان" التي جعلت الحلم بالسيادة والحرية والاستقلال درباً وحيداً للوصول الى الوطن.
كأن ناقوس الخطر يدقّ، او كأن صوتا يهمس ويحذّرنا من أنه مع زوال "14 آذار" ستعود خراطيم المياه تتصدى للمتظاهرين.
لنتذكر ان اهم ما في "14 آذار" وحكومة الاكثرية الوهمية هو اننا لم نشاهد خراطيم المياه تسدّد الى اي متظاهر ولم يقمع بأعقاب البنادق من صادر وسط بيروت ليفرض مشروعه السياسي على الوطن. لنتذكر ان اجتياح بيروت في السابع من أيار سيصبح احكاما عرفية كلما اهتز المشروع الايديولوجي على خلفية أي سبب يصنَّف خطرا على المقاومة وسلاحها.
قد يكون مصدر الخطر مؤامرة تنفذها دورية من فصيلة برج البراجنة تابعة لقوى الامن الداخلي حدّثتها نفسها بقمع مخالفة بناء، ما قد يستوجب تدخل بعض الاشخاص والطلب الى عناصر الدورية مغادرة المنطقة. ناقوس الخطر يدقّ عندما نسمع ان هناك من يريد "تحرير الاشرفية" وكأنها مزارع شبعا. او نقف عاجزين عندما نعلم ان اعتداءات متكررة طاولت منزل النائب باسم السبع الذي لم يجد بداً من الاعتراف بأن ولايته الاخيرة في المجلس النيابي "كانت نيابة مع وقف التنفيذ"، لأنها "كانت نيابة معرضة للاغتيال والمطاردة والانتقام السياسي، بحيث نجح القيمون على هذه الحالة، ومع الاسف الشديد في قطع الاتصال بيني وبين الجمهور العريض من المواطنين الذين أولوني ثقتهم على مدى خمسة عشر عاما في دائرة بعبدا الانتخابية".
الخطر يكمن كذلك في اعتبار ترشّح الرئيس فؤاد السنيورة الى الإنتخابات سببا لـ"مخاوف جدية لدى المراجع العسكرية والأمنية حول تداعيات أمنية جدية محتملة"، ما يستدعي تحذيرات ونصائح تدعوه إلى "عدم الإقدام على خطوة كهذه، لأنه سيحمل شخصياً مسؤولية أي نقطة دم في عاصمة الجنوب". ربما مع هذه القراءة يصبح مخيفا التهاون بمصير "14 آذار" والاستهتار بإمكان القضاء على "ثورة الارز" على خلفية التهافت على مقاعد انتخابية، او لأن جمهور "14 آذار" لم يجد قادة يحملون احلامه واندفاعه وشجاعته.
ربما في هذه القراءة يصبح محرّماً واقرب الى الكفر قسم جبران، بحيث يعتقل كل من يضبط متلبسا وهو يهمس: "نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين، ان نبقى موحدين الى ابد الآبدين".