#adsense

لكل نتيجة انتخابية تركيبتها الحكومية

حجم الخط

سلبي سمة عامة للأزمة و"الثلث المعطّل" بعد الانتخابات استهداف للعهد
لكل نتيجة انتخابية تركيبتها الحكومية

خضع التنازع بين فريقي 8 و14 آذار، منذ أربع سنوات وإلى اليوم، إلى ما يشبه معادلة "التعادل السلبيّ".

لم يفلح أيّ من الفريقين في حسم الأمر لصالحه. كلما لاحت بوادر حسم في جولة بعينها، لمصلحة هذا الفريق أو ذاك، كانت عناصر عديدة تستنزف مقوّمات الحسم وتردّه إلى مجرّد ارتياح أو امتعاض من الحسابات الإقليميّة.

ويمكن القول إنّ جولتين فقط شذّتا عن معادلة التعادل السلبيّ، لصالح إعطاء أرجحية واضحة لهذا الفريق على ذاك. كان 14 آذار 2005 حاسماً لجهة إظهار أرجحية شعبية واضحة على تظاهرة 8 آذار 2005. أسهم ذلك في تسريع عجلة الإنسحاب السوريّ، وإلى "ما وراء الحدود" وليس فقط إلى "منطقة الحدود" كما كان النظام السوريّ يمنّي النفس وبشكل علنيّ.

أمّا الجولة الثانية التي شهدت أرجحية واضحة لمصلحة فريق على آخر فكانت 7 أيار 2008، وكانت الأرجحية هنا من الزاوية الأمنية – العنفية، وأنتهت إلى إتفاق الدوحة الذي لم يستطع أن يؤمّن للطرف المتغلّب أمنياً غير مكاسب سياسية متواضعة بالمقارنة مع الحسم الميداني المسلّح.

وبإستثناء 14 آذار 2005 و7 أيّار 2008، بقيت معادلة التعادل السلبيّ تتكرّر، من إنتخابات 2005 المرهونة بـ"التحالف الرباعيّ"، إلى مرحلة فرط هذا التحالف وتوقيع تفاهم مار مخايل، إلى حواريّات 2006 ووصولاً إلى حرب تموز، إلى الإعتصام الدائم لشلّ وسط البلد وفي وجه حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى، إلى صدامات 23 كانون الثاني 2007، إلى دخول البلاد في مرحلة الفراغ الدستوريّ.

وبعد إتفاق الدوحة التالي، ورغم آثار 7 أيّار، كان هناك أيضاً ميل لإحياء معادلة التعادل السلبي، بل أنّ الدوحة زكّى الإحياء التدريجيّ لهذه المعادلة، بإنتخاب الرئيس التوافقيّ، ومن خلال منح الثلث المعطّل لـ8 آذار، ومنح ما يضمن تعطيل بعض مفاعيله للطرف الآخر.

وفي الصورة الإجمالية للسنوات الأربع المنصرمة، لم يُثمر "عُسْر الحَسْم" هذا في إبعاد شبح الحرب الأهلية بطريقة قاطعة عن البلاد، وفي الإعتراف باستحالة إلغاء طرف للآخر، وبالإقلاع نهائياً عن التخوين، وبالعمل على جعل البلد أقل تأثّراً بالإنقلابات المناخيّة الإقليميّة والدوليّة.

على العكس من ذلك، أدّى "عُسْرُ الحَسْم" إلى منطق غريب عجيب، وتحديداً في 8 آذار، حيث ابتدعت نظرية "الديموقراطية التوافقية في إطار المقاومة" بديلاً عن النظرية الديموقراطية التوافقية الأصلية التي تقوم في الأساس، عند آباء الفكرة اللبنانية، على قاعدة حياد لبنان الإيجابيّ. وهكذا صار التوافق مطلوباً في كلّ شيء إلا في قرار الحرب والسلم المحتكر من جانب واحد، وفي الدبلوماسية التي بقيت لمسات الوصاية السورية واضحة عليها. وصرنا أيضاً إلى نظرية "المشاركة التخوينية": فالطرف الآخر، السيادويّ أو الإستقلاليّ خائن لأنه لا يريد المشاركة مع الطرف الممانع أو المقاوم، وينبغي فرض المشاركة عليه بالإكراه وبالسباب، وتحديداً لأنّه خائن.

أمّا في معشر 14 آذار فقد أدّى "عُسْر الحَسْم" إلى صعوبة الإحاطة بالمشكلة المركزية: كيف يمكن حلّ مشكلة أنّه لا يمكن حل مشكلة سلاح "حزب الله"، كما لا يمكن التغاضي عنها وعن مضاعفاتها التعطيليّة للمؤسسات والتقويضية للكيان. بل كيف يمكن بناء تصوّر متكامل لتشغيل الإقتصاد اللبنانيّ بالشكل الأنفع، كما لو أنّ مشكلة السلاح غير موجودة، ثم الإلتفات بعد ذلك للسلاح لإجازة تمرير نصف هذا التصوّر.

وفي مرحلة ما بعد 7 أيّار و"إتفاق الدوحة" وإنتخاب رئيس جديد للجمهورية في أعقاب مرحلة الفراغ الدستوريّ، ساهمت معادلة "التعادل السلبيّ" أو "عسر الحَسم" في بروز قطب ثالث، وهو ما يعرف بالموالين للعهد أو المستقلّين أو الوسطيين، وهؤلاء يتقاطعون عموماً مع تصوّرات 14 آذار العامّة، لكنّهم يعملون في الوقت نفسه على تجاوز ثنائية 8 و14 آذار نفسها، على قاعدة أنّها ثنائية طالت أكثر من اللازم وآن لها أن تنقضي.

وعلى باب الإنتخابات الإنتخابية، يعود التعادل السلبيّ أو "عسر الحسم" ليطرح نفسه، ولا يتناقض ذلك مع الطابع المصيريّ للإنتخابات.

الإنتخابات مصيريّة لأنّ النظام البرلمانيّ مهدّد بالتفكيك بعد أن حوصر مطوّلاً بالتعطيل، وتفكيكه يكون إذا ما استمرّ التعريض بما ينصّ عليه الدستور، وبقيت المشاركة مفروضة بالإكراه، ومقتصرة على تقاسم السلطة التنفيذية في مقابل إحتكار السلطة التشريعية وجعلها سلطة تنفيذية بديلة.

وفي الوقت نفسه، إذا كانت الإنتخابات مصيريّة بدليل التهديد الموجّه لنظامنا البرلمانيّ، فإن رفع هذا التهديد كليّاً لن يكون بفعل الإنتخابات وحدها، كما أنّ استشراء هذا التهديد لن يكون هو أيضاً بفعل الإنتخابات وحدها.

في الحالتين، لن نكون إلا أمام سيناريوهات تكرّر بشكل أو بآخر معادلة التعادل السلبيّ.

فإمّا أن تتولّد، بنتيجة الإنتخابات، أرجحية واضحة، على غرار الأرجحية الشعبية الواضحة في 14 آذار 2005 لمصلحة الفريق الإستقلاليّ، والأرجحية الأمنية الواضحة في 7 أيّار 2008 لمصلحة الفريق الممانع، وهذا احتمال استثنائيّ تحول دونه جملة من العراقيل الداخلية والإقليميّة.

وإمّا الإفتقاد إلى أرجحية واضحة وحاسمة ومستقرّة، وإذاك تكون البلاد أمام أحد خيارين: المزيد من التفسّخ نتيجة لإستمرار التعادل السلبي، أو إستثمار التعادل السلبي بالشكل الذي يضمن تعايشاً معقولاً بين الأفرقاء.

والتفسّخ سيكون لازمة التعادل السلبيّ إذا ما أصرّ فريق 8 آذار على فرض نظريته في "الثلث المعطّل" من جديد، خصوصاً وأنّ هذه النظرية التي كانت موجهة بشكل رئيسيّ ضد 14 آذار في مرحلة ما قبل إنتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، تصير موجهة مباشرة ضد العهد الرئاسيّ بعد الإنتخابات النيابيّة.

أمّا التعايش المعقول، فمرهون بالإتفاق على دور إنقاذيّ تحكيميّ لرئيس الجمهوريّة، فيكون مهندساً لإتفاق سياسيّ جديد، يؤكّد المشاركة ويتفادى "الثلث المعطّل"، ويصيغ تركيبة حكومية مرنة لا يمكن الحكم بمقاديرها سلفاً، طالما أنّ كل نتيجة انتخابية من شأنها تزكية تركيبة بعينها، علماً أنّه ليس هناك أي نتيجة انتخابية من شأنها تبرير منطق التوزيع النسبيّ للحصص الحكومية على الكتل البرلمانيّة، فهذا مناف لأبسط أصول النظام البرلمانيّ، ومتعارض أساساً مع وجود رئيس للبلاد على رأس الدولة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل