حرية تنزف دمها
لا تقع عودة محطة الـMTV الى البث خارج سياق "ثورة الأرز" ونتائجها على المستويات كافة. اقفال المحطة التلفزيونية قبل سبعة أعوام جاء جراء تدهور الجمهورية الثانية الى مستوى لم يسبق له مثيل، منذ نَصّبَ المتسورنون أنفسهم في صدارة البلد وعلى مقدراته، وقبل نجاح "انتفاضة الاستقلال" في اسقاط عهد الاحتلال السوري. آنذاك كان دويّ صوت القناة يعلو على صوت المعركة التي اريد للبنانيين ان يخوضوها من دون التبصر في مصالحهم وواقعهم. وشكّل صوتها تحدياً رئيسياً لكل محاولات تجويف البلد ومصادرته.
كثر من اللبنانيين تخلّفوا عن خوض معركة الحريات، باستثناء قلة تركزت في "قرنة شهوان" تواكبها جريدة "النهار" وملحقها الثقافي. في حينه كانت معارك الحرية من الدرجة الثانية، فما كان مقدَّراً للبنان هو ان يبقى بلداً ثانوياً وممنوعاً عليه ان يتشدق بالافكار الكبرى أو ان يخال نفسه فاعلاً في السياسة ومتنها.
وكان ممنوعاً على اللبنانيين ان يدافعوا عن افكارهم التي يحملونها، انما من حق إيران وسوريا عليهم قمع هذه الافكار بالوقائع. والوقائع تقول: هذا البلد ملعب للسياسات الاقليمية ولن يكون ما هو أو يجعل نفسه نموذجاً، لا داخل حدوده ولا خارجها.
الارجح أن الـMTV لم تتقبل هذا النمط أو الرسالة. والأرجح أيضاً ان خصومتها مع النظام الامني اللبناني ــ السوري تتصل بصعوبة تقبل هذا النوع من الرسائل، ولو كان الجميع يعرف ان الجغرافيا حاكم مستبد وأننا واقعون بين إسرائيل والنظام السوري، وأن كلاً من الاثنين يستبيح أرضنا وسماءنا ودمنا وحريتنا بذريعة معاداته للآخر.
دائماً كان القدر يضع اللبنانيين في عين الشعارات الكبرى وبين أيدي حامليها الذين يصرون على تغيير العالم حيناً عبر جونيه وأحياناً من خلال أزقة البسطة، فيما لم يطمح دعاة الاستقلال اللبنانيون الى أكثر من استقلال ينأى بدمائهم عن المقايضات الكبرى التي تجعل من بقائهم قضية من النوع الثانوي والهامشي.
جميع الضغوط والمناكفات التي باشرها النظامان السوري والإيراني أو تعرضا لها، كان الرد عليها في لبنان ومنه، وأينما استطاعا الى ذلك سبيلا. ولنتبصر في النتيجة: احتلال إسرائيلي وآخر سوري بموافقة أميركية وصمت دولي مرعب لم يبق ولم يذر من البلد وأهله شيئاً. قمع للحريات وكمّ للأفواه بلغا حد ملاحقة الكاتب سمير قصير في وضح النهار، والتعرض لحياته الشخصية قبل أن يقضي صريعاً ومتناثراً اشلاء.
الوعي الانساني في الشرق ومنه لبنان، ليس كلاً متكاملاً. هذا ما تقوله الوقائع وتؤكده التفاصيل. الاعلام ليس مقطوع الآصرة عن هذا السياق. فقد تعاطفت غالبية الصحف والمحطات الفضائية خلال الحرب الهمجية على غزة مع الضحايا الذين سقطوا في هذه الحرب الوحشية، وكان أمراً طبيعياً ومطلوباً ان يتم التعاطف مع الابرياء ويكشف عن الجرائم التي ارتكبت هناك، لكن هذا التعاطف ليس ذا مرجعية انسانية، لكنه ذو مرجعية ايديولوجية، لأن هذه الوسائل الاعلامية التي تظهر تفجعها التلفزيوني لم تظهر ادنى تعاطف مع لبنان وشعبه ولا مع المجازر المهولة في دارفور والتي أدت الى مقتل اكثر من 300 الف انسان وتشريد نحو مليوني شخص آخرين.
لماذا إذاً ينوح الإعلام في غزة ويصمت في دارفور ويشيح بوجهه عن لبنان ومآسيه؟ الجواب ان القتل في دارفور والتنوع في لبنان لم يستفزا الايديولوجيا التي تحرك المسؤولين عن هذا الإعلام. مثل هذا الاعلام يكون انسانياً فقط في القضايا التي تنسجم مع ايديولوجيا ما. وخطابه لا يتحرك إلا في الإطار الشعبوي. مثل هذا الإعلام انحاز الى الديكتاتور صدام حسين على الرغم من جرائمه الفظيعة في حق شعبه وحق الكويت، ولم يتعاطف مع الكويت وأهلها وقفز الى افتعال مواجهة مع الاميركيين. وبعض القنوات التي هاجمت الاسرائيليين وبحق، سكتت عن 56 قضوا في شوارع بيروت مع اجتياح "حزب الله" للمدينة.
في هذا المعنى، فإن عودة الـMTV كمحطة انتصار للحرية بالمطلق ومن دون اي اعتبار لطائفة أو لبلد إلا للبنان واللبنانيين وتثبت أهمية الإعلام المحايد والمهني والخالي من النزعات الايديولوجية، ذلك أن امرءاً ما اذا كان على حق وأُسكت لا يعني انه على خطأ البتة، وإذا كان على خطأ وقيِّض له الكلام فهذا لا يعطيه الحق ولا يجعل هذا نصيراً له.
قد يقول قائل ان هذا تراشق بأقوال الماضي وأفعاله، لكن الوقوف عنده كان يمكن لو حصل في زمن مضى ان يحول دون استشهاد جبران تويني وسمير قصير. لكن لا بأس فلنتذكر ما حصل حديثاً: خالد مشعل وانصاره لا يريدون مراسل "العربية" وائل عصام في غزة. مجموعة من رجال أمن "حماس" تحمل هذا الصحافي من فندقه الى معبر رفح وتأمره بالرحيل عن ارض النكبة.
سبق ذلك تعرض عمر حرقوص إلى الاعتداء بالضرب المبرح على أيدي افراد الحزب السوري القومي الاجتماعي، كان قد قام زملاء لهم بحرق تلفزيون "المستقبل" ورفع الرايات الخفاقة لتنظيمهم الامني والعسكري فوق مبناه، وفي الاثناء تمنع مجموعات من المنظمة الخمينية المسماة "حزب الله" عاملين في محطة "المستقبل" من البث، فضلاً عن اتهام صحافيين بأنهم مأجورون لمجرد إبداء رأي مخالف للمناضلين في سبيل سوريا وإيران والأنظمة الامنية والاستخباراتية.
كل هذا حصل في زمن الثورة التكنولوجية الذي لا تزال الايديولوجيا فيه سيدة في شرقنا.
لا بأس. ليس دم الصحافيين أغلى من دم الانظمة الديكتاتورية. المسألة لا تتعلق بالدم، فهو يتساوى في عيون الجميع، ومعيار إهداره واحد، وقد يكون حامله رئيساً أو برلمانياً أو صحافياً.
على كل حال، تمر سنوات على المثقفين يكتبون فيها عن الشجر والمناخ. وتمر أخرى ينصرف فيها الرأي العام عن الثقافة والمثقفين طلباً للأمن والسكينة، لكن الحرية لا تعيش من دون حيوية المناقشة، ففي التماثل موت ونهاية وفي التناقض حياة وتطور.
الآن السؤال الذي يندفع الى الحناجر: ما الذي تغير اليوم حتى تعود الـMTV الى سابق عهدها وتستمر "النهار" شعلة على ليل الشرق، وخصوصاً اننا نعيش انقساماً لبنانياً لا يحول بينه وبين انفجار السلم الأهلي سوى الدعوات الى "التهدئة"؟ مثل هذا السؤال لن تتوافر الإجابة عنه الآن في طبيعة الحال، وخصوصاً ان جنرال حربي "التحرير" و"الالغاء" يقول ان شهداء حربه الاولى هم الشهداء الوحيدون في لبنان استشهدوا دفاعاً عن قضية لها معنى. وهو لا يرى في كل التضحيات التي قدّمها اللبنانيون جميعاً أي شيء يستأهل الثناء والتقدير. وللبنانيين هنا ان يسألوا ميشال عون: ماذا عن شهداء "حزب الله" وحلفائه الآخرين؟
كامل مروة، سليم اللوزي، مهدي عامل، حسن مروة، جبران تويني، نسيب المتني، سمير قصير، مي شدياق، عمر حرقوص، والـMTV.
يا اسماء كل الشهداء الاحياء والاموات، هذه الحرية ستبقى تنزف دمها ما لم تسقط كل الديكتاتوريات والعقول الأحادية والظلامية.