نسيب لحود – مصالحة الجبل و"حزب الله"!
يعتبر نسيب لحود رجل دولة، قامته السياسية والمعنوية في مستوى الرؤساء. لذلك تبدو النيابة بالنسبة اليه اقل ما يستحق، وخصوصا انه اظهر طوال الفترة التي عمل فيها في الحقل ولا يزال انه بين السياسيين يحظى بأكبر قدر من الاحترام في اوساط النخبة اللبنانية والعربية، وتعتبره العواصم الكبرى اقرب الشخصيات اللبنانية الى المعايير الديموقراطية المتعارف عليها في العالم المتقدم. كما ان اوساط المثقفين في لبنان تنظر اليه باعتباره ممثلا لها في دوائر الحكم اليوم. وإذا كان لحود قرر الانسحاب من السباق الانتخابي لاعتبارات تتعلق بطبيعة المعركة، فإن لانسحابه طعماً مراً في الوسط الاستقلالي، الامر الذي يمكن ان يضر كثيرا بالصورة التي تعكسها القوى الاستقلالية، كغالبية تضم مزيجاً راقياً من الاحزاب الكبيرة والأصغر مع الشخصيات المستقلة، وصولا الى كل لبناني ولبنانية يمثلون عصب الرابع عشر من آذار في لبنان والانتشار. ولعل من المفيد التذكير بأن غير الحزبيين يمثلون غالبية في الوسط الاستقلالي (14 آذار).
لن ندخل كثيرا في اسباب عزوف لحود عن خوض المعركة، بل نكتفي بالتعامل مع المسألة بالروحية التي تعامل هو بها، اي بكثير من الحذر وبحس كبير من المسؤولية للحد من تداعيات القرار على المعركة في المتن وغيره. في الخلاصة ان ما يهم الاستقلاليين هنا اعلان "الاستاذ نسيب" انه مستمر في موقعه النضالي الاستقلالي، ولو انهم آثروا ان يعود عن قراره بالتزامن مع "رشّة تواضع" ترمى على بعض 14 آذار.
تشكّل المصالحة التي تتم اليوم بين الحزب التقدمي الاشتراكي و"حزب الله" عنوانا لمصالحة بين الطائفة الدرزية و"حزب الله" في ضوء العمل الصعب الذي قام به النائب وليد جنبلاط بسباحته عكس "التيار" العاطفي في الجبل. فما من احد ينسى غزوة الجبل التي اعقبت احتلال بيروت. وما من احد ينسى الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن شرف الجبل. من هنا اهمية المصالحة من جهة ودقتها من جهة اخرى. اهميتها لأنها تأتي عقب صدام سياسي كبير انتهى بمحاولة الاعتداء على الجبل. ودقتها لأن الاعتداء الذي حصل مرة يجب ألا يتكرر ايا تكن الظروف والاعتبارات والاجندات الموجهة الى "حزب الله".
ان الخلاف السياسي كبير، والخلاف حول الخيارات الاساسية في البلاد كبير ايضا. والعنوان الخلافي الاكبر يتمثل بسلاح "حزب الله" واجندته الخارجية. وكما كانت ثورة الارز على الوصاية سلمية، وانتهت بإخراج 30 الف جندي سوري من لبنان، يجب ان يبقى الاعتراض على السلاح والدويلة سلميا، وفي المقابل على "حزب الله" ان يمتنع عن استخدام السلاح مرة جديدة لأن التركيبة اللبنانية لن تتحمل الامر. في النهاية ينطلق النائب جنبلاط في خطوته هذه من خلفية الاصرار على تثبيت مناخات اللاعنف في البلاد كأسلوب في التعامل مع الخلاف السياسي. ولكنه لا يغفل الشكوك العميقة المقيمة في نفوس اهل الجبل. فهل يبدد "حزب الله" بسلوك جديد ومغاير لما سبق هذه الشكوك؟