خلية "حزب الله" في مصر ملف متفجّر وخطير أبعاده إقليمية وعربية ولبنانية
أشارت جريدة "المحرر العربي" في تقرير خاص كتبه "المحرر الديبلوماسي" إلى أن قضية خلية "حزب الله" في مصر ما زالت تتفاعل يوماً بعد يوم، سياسياً وقضائياً… وأمنياً، معتبرة أن ما كشف النقاب عنه حتى الآن من هذه القضية كافٍ بحد ذاته لجعلها حدثاً مهماً فعلاً.
ولفتت إلى أن المعطيات التي يتناقلها العديد من المصادر الديبلوماسية والأمنية، العربية والغربية، توحي بأن القضية ما زالت في بداياتها، وأنها في الواقع ملف متفجر وخطير، أبعاده إقليمية وعربية ولبنانية.
وقالت: "ما نشر حتى الآن من نتائج التحقيق المصري في قضية خلية "حزب الله" في مصر، التي كان يقودها على ما يبدو سامي شهاب (الاسم المستعار لمصطفى منصور)، خطير ومتشعب، لكنه ليس على ما يبدو إلا رأس جبل الجليد، حسب ما ذكرت مصادر ديبلوماسية أوروبية مطلعة على التحقيق (لأن الأجهزة المصرية تدقق في بعض المعطيات التقنية مع الأجهزة الأمنية الأوروبية).
البيانات المصرية الرسمية تشير حتى الآن إلى أن هذه الخلية، التي تتألف على ما يبدو من 49 شخصاً اعتقلوا، ومن حوالى 13 شخصاً يتم تعقبهم في سيناء… كانت تريد القيام بعمليات على الأراضي المصرية، وبالتحديد ضد السياح الإسرائيليين. "حزب الله" من جهته يقول إن سامي شهاب كان مكلفاً فقط بعملية دعم لوجستية للمقاومة الفلسطينية في غزة.
لكن يبدو من المعطيات غير المؤكدة رسمياً بعد، أن الخلية تلقت أوامر من قيادتها في لبنان بعدم التعرض للسياح الإسرائيليين، بينما كانت هي تعد لعملية تنتقم فيها من اغتيال عماد مغنية في دمشق في 12 شباط 2008.
والأخطر، يبدو أن هذه الخلية – أو الشبكة التي كانت تابعة لها – كانت تحضر لعمليات ضد أهداف مصرية على الأراضي المصرية. ومن بين المعلومات المتداولة في هذا الصدد ما نشرته هذا الأسبوع الصحافة الإسرائيلية عن أن الرئيس المصري حسني مبارك نجا من محاولة اغتيال أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة. ويبدو أن هذه المحاولة كانت ستجري بعد 24 ساعة تقريباً من خطاب حسن نصر الله الذي دعا فيه الجيش المصري إلى العصيان.
معلومات أخرى تفيد بأن النشاط العسكري الذي كان يقوم به "حزب الله" كان يستهدف تسليح وتدريب نشطاء في حركات إسلامية مصرية.
وأخيراً، تربط مصادر أمنية أوروبية موضوع هذه الخلية بالقصف الجوي الذي استهدف -مرتين على التوالي داخل الأراضي السودانية في مطلع السنة – رتلاً من السيارات المحملة بأسلحة يبدو أنها كانت أسلحة إيرانية مرسلة إلى غزة. ولم يتأكد بعد ما إذا كانت الطائرات التي قامت بعمليات القصف هذه إسرائيلية… أم أميركية… أم مصرية… أم من جنسيات أخرى.
لكن المؤكد – وهذا ما أعلنه النائب العام المصري ووزير الخارجية المصري في الأيام القليلة الماضية – أن التحقيق سيكشف النقاب عن حقائق مفاجئة.
وذكرت جريدة "المحرر" أن "حزب الله" خرق من دون أي حق سيادة دولة عربية. وأدخل أسلحة إليها. وزوّر وثائق. وكان – إذا ما صحت روايته – ينوي تهريب أسلحة عبر الحدود المصرية إلى غزة، أي أنه كان في هذه العملية ليس فقط يخرج من ساحته اللبنانية ومن موضوع وجوده الذي هو تحرير الأرض اللبنانية، ليدخل مباشرة في أرض دولة عربية أخرى، وليتعاطى الشأن العسكري فيها، ومع طرف فلسطيني ولينقل سلاحاً هدفه محاربة إسرائيل. بل إنه بهذا العمل حوّل نفسه رسمياً من تنظيم لبناني إلى لاعب إقليمي، يعتبر أن الأرض العربية والحدود الدولية سائبة، ويعتبر أنه يحق له محاربة إسرائيل أو المساهمة في محاربتها حتى خارج الإطار اللبناني. وهذا يؤكد التطوّر التدريجي في خطاب الحزب عن نفسه من مجرد حركة تحرير وطنية إلى حركة مقاومة مفتوحة ضد إسرائيل.
واعتبرت أن تحوّل "حزب الله" من حركة تحرير لبنانية إلى حركة مقاومة مفتوحة ضد إسرائيل بالغ الأهمية وخطير الأبعاد، لأنه عملياً يقفل الباب أمام أي سيرورة تهدف إلى نزع سلاح حزب الله أو تحويله إلى حركة مقاومة تحت غطاء الشرعية اللبنانية. فإذا ما تأكد هذا الجنوح لدى "حزب الله" إلى لعب دور إقليمي فإن ذلك يعني أن مشروع بسط سيادة الدولة اللبنانية على كل لبنان أمر يتناقض نهائياً مع استراتيجية الحزب، ويعني بالتالي أن لبنان سيبقى في أزمة داخلية مفتوحة طالما أن إسرائيل موجودة… أو طالما أن ستراتيجية إيران ضد إسرائيل مستمرة كما هي اليوم.
وأضافت: "هذه هي المرة الأولى منذ تأسيسه منذ حوالى ربع قرن التي يواجه فيها "حزب الله" بهذا الشكل التصادمي نظاماً عربياً. هذا التدهور في العلاقة بين الحزب والأنظمة العربية بدأ مع حرب تموز 2006، لكنه وصل إلى ذروته في الدعوة التي وجهها الحزب على لسان أمينه العام حسن نصر الله إلى العصيان ضد النظام المصري خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة. يكفي أن نقرأ تصريحات كبار المسؤولين المصريين، بمن فيهم وزير الخارجية أحمد أبو الغيط، المعروف بدقته وهدوئه، لنرى مدى عمق الشرخ الذي ولدته هذه القضية بين مصر و"حزب الله" وبين مصر وإيران. باختصار، لقد فقد الحزب بعد هذه القضية، التي جاءت بعد "غزوة بيروت" في أيار2008 التي استخدم فيها سلاحه ضد الشعب اللبناني، صورته العذرية لتنظيم مقاتل وشريف، كل ما يهدف إليه هو تحرير الأراضي اللبنانية ليس إلاّ.
وأوضحت الجريدة أنه صار من شبه المؤكد أن ثمة اتهامات غيابية قاسية ستوجه من قبل القضاء المصري إلى قياديين في "حزب الله"، ربما سيكون بينهم الأمين العام للحزب حسن نصر الله ونائبه نعيم قاسم. المشكلة التي ستطرح في ما بعد هي أن السلك الديبلوماسي في بيروت، بما فيه السلك الديبلوماسي العربي، يتعاطى مع هؤلاء المسؤولين بشكل طبيعي، أي أنه يلتقي بهم أحياناً. وكذلك، يجتمع هؤلاء المسؤولين في الحزب أو مقربين منهم، علناً وسراً، مع كبار المسؤولين اللبنانيين بمن فيهم رئيس الجمهورية والوزراء.
وأشارت إلى ان الدول العربية المعتدلة تتابع موضوع خلية "حزب الله" في مصر، باهتمام بالغ تفاصيل التحقيق الجاري في مصر. وثمة تعاون بين الأجهزة الأمنية المصرية وبعض الأحهزة الأمنية العربية. فلقد أشارت مثلاً صحيفة "الشروق" المصرية في عددها الصادر يوم الإثنين الماضي 13 الشهر الجاري في تقرير موسع نسبت معلوماته إلى مصادر مطلعة لم تسمها، "أن أجهزة الأمن المصرية رفعت أخيراً درجة التنسيق بينها وبين نظيرتها في كل من السعودية والأردن واليمن لرصد وإحباط انتهاكات "حزب الله" وحلفائه لأمن وسيادة هذه الدول". وللتذكير، سبق لدول عربية عدة أن اشتكت من نشاطات إيرانية على أراضيها، وكان آخر مثل على ذلك المملكة المغربية التي قطعت علاقاتها مع إيران متهمة إياها بالقيام بنشاطات لنشر المذهب الشيعي في المغرب. كذلك، من الملفت أن جزءاً من الاتهامات المصرية حول قضية خلية "حزب الله" أشارت إلى نشر المذهب الشيعي في مصر. ومن المعروف سابقاً أن النشاطات المنسوبة إلى "حزب الله" و/أو إلى إيران في دول الخليج العربي تتمحور أساساً في الأوساط الشيعية في هذه الدول.
وكشفت جريدة "المحرر" أن خلية "حزب الله" التي انكشف أمرها في مصر ليست أبداً حالة منفردة أو استثنائية، بل هي تعبير ملموس عن خيار استراتيجي للحزب ولأولياء أمره. طبعاً، أجهزة الأمن المصرية ليست متأكدة من أنها وضعت يدها على كل ما كان يحضّره "حزب الله" شراً في مصر، وهي طلبت على ما يبدو من الحزب، رسمياً وعبر السلطات اللبنانية، أن يزودها بمعلومات مفصّلة عن جميع نشاطاته في مصر، إذ لديها مؤشرات توحي بأن "خلية شهاب" ليست إلا جزءاً من شبكة أوسع بناها الحزب على الأراضي المصرية. وقد لا يؤدي انكشاف أمر "خلية شهاب" إلى تفكيك هذه الشبكة بأكملها، ذلك أن لـ"حزب الله" خبرة أمنية طويلة في العمل السري (حتى داخل إسرائيل) تسمح له ببناء شبكة من خلايا عدة لا روابط مادية ملموسة بين بعضها البعض. وبالتالي، يبدو من شبه المؤكد أن يكون لـ"حزب الله" خلايا أخرى في مصر.
واعتبرت أن "حزب الله" بصفته ذراع إيران عبر العالم يتحرّك عملياً، بشكل أو بآخر، ليس فقط في لبنان وفي مصر، بل في جميع الدول العربية، بل في القارات الخمس. ولقد سبق واعتقل ناشطون لـ"حزب الله" في بلدان عدة، غير أن "خلية شهاب" هي لا شك الخلية الأوسع التي تمّ كشف أمرها حتى الآن. الأجهزة الأمنية العربية والدولية تعرف أن للحزب نشاطات خارجية كثيفة. ولقد سبق وصدرت من مصادر رسمية غربية معطيات دقيقة عن نشاطاته في العراق أو في أفريقيا، وفي أميركا اللاتينية كما في أوروبا.
وعما اذا كان نشاط "حزب الله" خارج لبنان مرتبط بممارسات شبيهة من قبل أطراف ممانعة أخرى، أكدت جريدة "المحرر" ذلك، واعتبرت انه من دون أدنى شك، ليس صدفة أن تصدر منذ أيام قليلة في الأردن أحكام على شبكة تابعة لـ"حماس". وبمعزل عن تخبطات المواقف المعلنة من قبل "حماس"، التي استغربت زج اسمها في هذه القضية وإن شددت على تحالفها مع "حزب الله"… وعن موقف "الإخوان المسلمون" في مصر الذين أيدوا عمل الخلية في البداية ثم سارعوا إلى التنصل منها قائلين "مصر أوّلاً"… تفيد المعطيات التي كشف عنها التحقيق المصري حتى الآن أن خلية "حزب الله" في مصر كانت تضم مصريين وفلسطينيين وسودانيين ولبنانيين… ويبدو أن العديد من هؤلاء ليسوا أعضاء في "حزب اللهط بل هم من الناشطين الإسلاميين في تنظيمات "ممانعة" أخرى. هناك، إذن، تنسيق أمني سري بين "حزب الله" والفصائل الأخرى التي تدور في فلك إيران في المنطقة.
وقالت: "لا شك في أن هذه القضية ستنعكس على الوضع في لبنان أقله في مجالين، معنوي وديبلوماسي.
على الصعيد المعنوي، ستؤدي هذه الضجة الهائلة المثارة في مصر وفي العالم العربي حول وجود مجرد خلية سرية في دولة ذات سيادة… إلى حثّ اللبنانيين على التشبيه بين مصر وبين لبنان، حيث يتمتع "حزب الله" بدولة داخل الدولة وحيث لا يحق لأجهزة الأمن اللبنانية الدخول إلى مناطقه، أي أن هذه القضية ستثير لدى اللبنانيين من دون شك وعياً لغرابة الوضع الذي تعيشه الدولة اللبنانية.
على الصعيد الديبلوماسي، ستجد الحكومة اللبنانية نفسها على الأرجح في مرحلة لاحقة في وضع صعب. فالقضاء المصري سيصدر مذكرات توقيف على الأرجح وسيصدر في ما يبدو أحكام سجن ربما غيابية، بحق قياديين من »حزب الله« يتحركون في لبنان بحرية كاملة. وسيكون من الصعب حينئذ على السلطات اللبنانية أن تتجاهل هذا الأمر، بينما يستحيل عليها القبض على المعنيين وتسليمهم إلى مصر.
وعما اذا كانت هذه القضية ستؤثر على الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان، قالت الصحيفة: "فسّر كبار المسؤولين الإيرانيين، في معرض ردّهم على الاتهامات التي وجّهتها السلطات المصرية إلى "حزب الله" وإلى إيران إثر انكشاف أمر خلية الحزب السرية في مصر، هذه الاتهامات بقولهم إنها تهدف في الواقع إلى التأثير على الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان، التي من المفترض أن تجري يوم الأحد 7 حزيران المقبل. لكن هذا التأثير غير مؤكد وإذا ما كان من تأثير فهو سيكون هامشياً. ذلك أن الانتخابات النيابية الآتية في لبنان محسومة بشكل قاطع في ما يتعلق بحوالى 100 مقعد من أصل 128 مقعداً. ومعظم المقاعد التي تدور حولها معركة انتخابية فعلية موجود ليس في المناطق التي يهيمن عليها "حزب الله" بل في المناطق المسيحية، التي ستشهد على الأرجح تراجعاً ملموساً في شعبية حليف الحزب "التيار الوطني الحر" الذي يقوده الجنرال السابق ميشال عون. "حزب الله" وحلفاؤه لا يمكن أن يحصلوا في هذه الانتخابات على الأكثرية المطلقة. هذه الحقيقة كانت شبه مؤكدة قبل انكشاف قضية "خلية شهاب" في مصر.