#dfp #adsense

“المصالحة مع الآخر” أكثر الدعوات ثورية في 14 آذار

حجم الخط

ما الذي يفعله "حزب الله" إذا ما هدأت الأزمة الداخلية وخمد الصراع الإقليمي وأوصدت الأنظمة أبوابها أمام الاختراق الأمني؟
"المصالحة مع الآخر" أكثر الدعوات ثورية في 14 آذار

عام 2005، فرضت تعقيدات الوضع الإنتخابيّ نفسها على الحراك الإستقلاليّ، فاهتزّت القناعات، وضمرت الإندفاعات، وراج الحديث عن خبو ثورة الأرز بعد أسابيع قليلة على وصولها إلى نقطة الذروة، يوم 14 آذار 2005.
إلا أنّ السياق العام لاستمرار الحرب السرّية على الإستقلال اللبنانيّ الثانيّ، وتتالي الإغتيالات السياسيّة، بعد الإنسحاب السوريّ وبعد "التحالف الرباعيّ" وبعد الإنتخابات النيابيّة، عاد ففرض إحياء لعقد ثورة الأرز في خريف العام 2005. وتركّز هذا الإحياء بشكل رئيسيّ على النضال من أجل قيام المحكمة الدولية، كما طرح هذا الإحياء على نفسه مهمّة تقصير حكم "التمديد". وتدرّج شيئاً فشيئاً على طريق طرح مسألة السلاح الخارج عن الدولة اللبنانية على بساط البحث. أمّا على صعيد الواقع الطائفيّ، فابتغت عملية إحياء ثورة الأرز في خريف 2005 وشتاء 2006، إعادة ترميم الصورة الجامعة ليوم 14 آذار 2005، والتي لخّصتها ثنائية "مسلمين ومسيحيين" في قسم الشهيد جبران التويني. هذه الصورة الجامعة بدت مستهدفة في شباط 2006، إن من جهة "أحداث الأشرفية" على خلفية الرسوم الدانماركية، وإن من جهة "تفاهم مار مخايل" على خلفية التلاقي الموضوعيّ بين توترين مزمنين ضد إتفاق الطائف، أحدهما يعبّر عنه العماد ميشال عون وتياره، والآخر تمثّله ظاهرة "حزب الله".

تمكّن مشروع إحياء "ثورة الأرز" في خريف 2005 وشتاء 2006 من التأسيس فعلاً لحركة إستقلالية تتمتع بقدر كبير من الثبات، الأمر الذي عبّر عنه تحديداً يوم 14 شباط 2006 وهو إحياء الذكرى السنوية الأولى لإستشهاد الرئيس رفيق الحريري، وحيث تجلّت بشكل واضح ومركزيّ المعادلة الثلاثية بين "تيّار المستقبل" و"الحزب التقدمي الإشتراكيّ" و"القوّات اللبنانيّة" بوصفها العمود الفقريّ للحركة الإستقلالية.

إلا أنّ هذا المشروع لم يتمكّن من إختصار حكم التمديد لإميل لحّود، الذي انتهت محاولة تنحيته إلى قيام مؤسسة "طاولة الحوار". ثم كانت محنة "حرب تمّوز"، وبعدها كان على مشروع إحياء "ثورة الأرز" أن يتحوّل مجدّداً من "الهجوم" إلى "الدفاع" لأن "الثورة المضادة للأرز" التي تتأسّس على تأويل بعينه لحرب تمّوز وتأويل بعينه لنتائجها، انطلقت مستهدفة الأساسات التي قام عليها الإستقلال الثاني.

ومن يومها، لم يتعدّل الطابع العام للأزمة بين فريقي 8 و14 آذار. 8 آذار في موقع "الهجوم" منذ نهايات حرب تمّوز، و14 آذار انتقلت من كونها قوة "إحيائية" لثورة الأرز قبل هذه الحرب إلى قوّة "دفاع عن النفس" بعدها.
على هذا الأساس دخلت البلاد، بعد محنة "حرب تمّوز"، في محنة "الإعتصام الدائم"، ثم محنة "الرقص على حافة الفتنة"، ثم محنة "الفتنة الموضعية" في 7 أيار. وبقيت 8 آذار "هجومية" و14 آذار "دفاعية" حتى بعد صلح الدوحة.. وحتى عشية الإنتخابات النيابية.

وأقلّ ما يقال في وضع كهذا، أنّه غير سويّ، وهو ينذر ليس فقط بـ"تعطيل" مؤسّسات الدولة، بل أيضاً بـ"تفكيكها" إذا ما استمرّ الوضع على ما هو عليه بعد الإنتخابات. ثمة حاجة إذاً للتفكير مليّاً في تجاوز هذا الوضع، وإخراج السياسة من واقع "حملة هجومية" من طرف في مقابل "صمود دفاعيّ" من الطرف الآخر، فليس هذا هو المعنى الذي يمكن أن يتمناه اللبنانيّون للسياسة.
وباب الخروج من هذا الوضع هو المقارنة من جديد بين انتخابات 2005 وانتخابات 2009، وتحديداً في ما يتعلّق بموقف الحركة الإستقلالية من "حزب الله" وموقف "حزب الله" من الحركة الإستقلالية.

عام 2005، كان لـ"التحالف الرباعيّ" نظريّته: من جهة تؤمّن 14 آذار حماية وطنية لـ"حزب الله" من القرار 1559 في ما يتعلّق بسلاحه، ومن جهة ثانية يؤمّن "حزب الله" حماية نهائية للمكتسبات الإستقلاليّة المحقّقة بموجب القرار 1559، وتحت الضغط الجماهيريّ اللبنانيّ.
لكنّ هذه النظريّة لم تكن قابلة للتطبيق طويلاً، لأنّه ليس لـ 14 آذار القدرة على تأمين حماية وطنية لـ"حزب الله" من القرار 1559 في ما يتعلّق بسلاحه، وليس لـ"حزب الله" القناعة بإمكانية "تحييد" المكتسبات الإستقلالية المحققة بموجب القرار 1559 عن ارتباطاته الإقليمية وعن النزاع الأهليّ اللبنانيّ. بالنتيجة فرط عقد "التحالف الرباعيّ"، وانعقد "تفاهم مار مخايل"، وجرى التشكيك بشرعية انتخابات 2005 على هذا الأساس.

أما عام 2009 فليس هناك من يقترح إحياء "تحالف رباعيّ"، لا في 8 ولا في 14 آذار، لكن ثمّة من يدرك تماماً أن المواجهة الشاملة بين المشروعين لا تتيح واقعياً وعملياً إمكان إجراء الإنتخابات، أو إمكان الإستفادة من نتائجها لو جرت، وأنّه وبدلاً من المواجهة الشاملة بين المشروعين فإن اللحظة السياسية الداخلية والإقليمية والدولية مؤاتية لأمر آخر، وهو العمل من أجل الخروج من الوضعية غير السوية حيث يجد فريق نفسه في موقع "الهجوم" على طول الخط، ويجد الفريق الآخر نفسه لزوماً في موقع "الدفاع".

ومن هنا يمكن التقاط مفهوم "المصالحة" مع "حزب الله". فهو مفهوم مركزيّ لهذه المرحلة إن أحسن ترشيده. يقوم هذا المفهوم على وقف معادلة "الشراكة الهجومية" أو "الشراكة التخوينية". إن كان من شراكة ضرورية فينبغي أن يمهّد لها بالمصالحة، والمصالحة تعني بشكل رئيسيّ أن يكفّ طرف عن "الهجوم" وأن لا تكون من حاجة للطرف الآخر إلى "الدفاع"، وإلا فما تكون المصالحة؟

لكن مفهوم "المصالحة" مع "حزب الله" وعلى قدر ما تبرز ضرورته تتضح صعوبته. ذلك أن إقدام "حزب الله" على الإنخراط في عقد وطنيّ للمصالحة قد يكون أصعب بكثير من إقدامه على تليين موقفه من مسألة إحتكاره قرار الحرب والسلم أو إبقائه السلاح خارج كل مساءلة واستفسار.
فالمسألة لا تتعلّق بـ"النوايا" فقط، بل بـ"الوظائف". فإذا كان "حزب الله" قادراً على إبرام مصالحة داخلية فما الذي يمكن أن يفعله بعدها؟ هذا الحزب كان أقدر على إتباع موقف "تصالحيّ" داخليّاً يوم توكّل بمهمة المقاومة جنوباً، وبعد "حرب تموز" التي أقفلت نهائياً جبهة الجنوب حتى إشعار آخر، فإن الحزب وجد نفسه في وضع يحتّم عليه المزيد من التشنّج والسلبية في التعاطي مع الشأن الداخليّ، وبعد أن اكتشف أن تطوير مساهمته النضالية "خارج لبنان" وفي فضاء المنطقة ليس بالسهولة التي تصوّرها، لا في العراق، ولا في سوريا، ولا في مصر، ولا في اليمن، ولا في المغرب، رجع السؤال إلى خانته الأولى: ما هو العمل الذي يقوم به "حزب الله"؟ ما هي وظيفته؟

المصالحة بين الحركة الإستقلالية و"حزب الله" صعبة لأنها تطرح مباشرة هذا السؤال، ولو كانت مرنة تماماً لجهة تقديم عرض "التغاضي" عن المناقشة الجادة لموضوعة السلاح. فـ"المصالحة" تعني أنّه، وبدلاً من أن تسأل 14 آذار منافستها 8 آذار عن عمل "حزب الله"، يصير "حزب الله" قادراً أن يطرح السؤال على نفسه. ما عمله في مرحلة لا تكون فيها الأزمة الداخلية مستعرة ولا الجبهة الأمامية على أهبة الإنفجار ولا الجغرافيا العربية سانحة للإختراق؟!

بهذا المعنى فإن الدعوة إلى "المصالحة" مع "حزب الله" هي أكثر الدعوات ثورية التي يمكن أن تصدر من طرف في 14 آذار، وينبغي على 14 آذار ككل أن تتبنّى هذه الدعوة، وأن ترفعها كشعار لخوض الإنتخابات النيابية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل