#dfp #adsense

العلة ليست في قوانين مكافحة الفساد بل في مَن لا يطبّقونها

حجم الخط

العلة ليست في قوانين مكافحة الفساد بل في مَن لا يطبّقونها
العلاج الناجع برفع السرية المصرفية عن أموال كل مسؤول

لم يردّ العماد ميشال عون حتى الآن على ما أثاره النائب ميشال المر حول مواقف سلبية اتخذها "تكتل التغيير والاصلاح" فألحقت هذه المواقف اضرارا جسيمة وطنية واقتصادية ومعنوية بالبلاد، كما انه لم يرد على اسئلة مناصرين سابقين له حول اسباب انقلابه على الشعارات التي رفعها في انتخابات 2005، فهل سيرد على الاتهامات الخطيرة التي وجهها اليه الصحافي شارل ايوب المرشح عن دائرة كسروان – الفتوح في حوار تلفزيوني جريء شوّه به صورة النزاهة والنظافة التي يعرفها الناس عن عون ويتباهى بها حتى على امرأة القيصر؟

لقد أعلن الزميل ايوب في هذا الحوار انه يريد مواجهة "عنجهية العماد عون" اذ لا يمكن لمن "يملك 400 مليون دولار غير المساعدات التي تأتيه ان يتحدث عن الفساد". وتطرق في حواره الى اصهرة العماد عون وابناء الاخوات والاقارب في معرض الكلام على البترودولار وعلى الفضيلة والعفة بحيث انه راح يدين ولا يدان. وتحداه ان يعلن عن ثروته وممتلكاته ليكون هذا عنوان المعركة بينهما في كسروان…

وكان العميد كارلوس اده اول من اثار موضوع ثروة العماد عون في احاديث له ادلى بها خلال العامين 2007 و2008 قال فيها: "لقد نسي العماد عون ان منزله من زجاج فكيف يرمي الآخرين بالحجارة ويعطي دروسا في الاخلاق والنزاهة"، وطالبه تأكيدا لنزاهته بان يرفع السرية المصرفية عن امواله، وان يصرح بالاموال والهبات التي حصل عليها عامي 89 و90 اثناء توليه رئاسة الحكومة الانتقالية، وتاليا دفع الرسوم المتوجبة عليه. فالهدر والفساد ليسا بصرف اموال الدولة في غير مكانها فقط انما بالتهرب من دفع الضرائب والرسوم المستحقة". لافتا من جهة اخرى الى انتشار الثروات العقارية في محيط عون العائلي والحزبي والاموال التي تصله لتمويل حزبه، وانشاء مكاتب وفروع ومحطة تلفزيون خاصة به، وهذه كلها تكلف اموالا طائلة".

الواقع، ان موضوع الفساد في لبنان هو موضوع مزمن لم يتوصل اي عهد من العهود الى مكافحته ولا الى وضع حد للاثراء غير المشروع، فلا قانون "من اين لك هذا" الصادر في 18 شباط 1953 صار تنفيذه، ولا المحكمة العليا للاثراء غير المشروع التي تشكلت لهذه الغاية حاكمت احدا، ولا المحكمة التي انشئت لمحاكمة الرؤساء والوزراء حاكمت احدا، ولا القانون الذي ينص على ضرورة ان يقدم كل شخص يتولى مسؤولية في الدولة من الفئة الثالثة او ما يعادلها وما فوق وصولا الى رئيس الجمهورية تصريحا الى جهات قضائية وادارية عن امواله وارزاقه التي يملكها هو وزوجته واولاده القاصرون عند استلامه مهماته، على ان يقدم تصريحا آخر عند الانتهاء منها، لم ينفع في الحد من الفساد ولا في منع الاثراء غير المشروع… وان هذه التصاريح التي قدمت الى الآن لا تزال مكدسة في مغلفات مقفلة بعشرات الآلاف في مصرف لبنان من دون ان يعمد احد الى التدقيق فيها، ما يجعل تاليا تقديم هذه التصاريح اجراء صوريا وفولكلوريا لا قيمة قانونية له نتيجة غياب التطبيق. لذا ظل رفع الغطاء عن الفاسدين وقطع دابر الهدر والاختلاسات وتشديد الضوابط المالية على كل مسؤول وموظف وقائم بخدمة عامة حبرا على ورق. وظل الكلام على الفساد وضرورة العمل على مكافحته كلاما موسميا للاستهلاك السياسي او الانتخابي، حتى انه بات يصدر عن فاسدين ومفسدين كالمرأة العاهرة التي تحاضر بالعفة… وما من حكومة تجرأت على ترجمة الاقوال افعالا، ولا من قانون الا واخذ تطبيقه يتلاشى شيئا فشيئا امام كل فضيحة مالية، وتعددت محاولات الاصلاح الاداري والسياسي منذ قرون وظل الفساد صامدا، وكثرت القوانين التي تحاول القضاء على هذا الفساد ولكن بدون تطبيق وتنفيذ لان كل شيء في الدولة فاسد… الى ان اندفع اخيرا عدد من النواب وتقدم باقتراح تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في موضوع الفساد، فلم يوقع عليه حتى نواب لا حديث لهم الا عن الفساد والسرقة وبينهم اكثر المتورطين فيهما، حتى ان مسؤولين وغير مسؤولين يعترفون باستشراء الفساد في السلطتين الاشتراعية والتنفيذية كما اعلن الوزير ابرهيم شمس الدين الذي وضع مشروعا جديدا حول الاثراء غير المشروع عله يحد من عدد الاثرياء الجدد بطريقة غير مشروعة. وقول الرئيس السنيورة نفسه "ان الفساد السياسي هو داء اكبر من الفساد الاداري"، وقول الرئيس حسين الحسيني "ان فاتورة الفساد تعوّق التنمية" وقول الوزير زياد بارود في مؤتمر "استراتيجية مكافحة الفساد"، "ان استمرار غرق لبنان في وحول فساده يرتبط بشكل عضوي بما يدره الفساد على جزء من مكونات السلطة والفئات التي ترتبط بها من منافع". واوضح ان الدولة "تهدر حوالى مليار ونصف المليار سنويا كنتيجة للفساد المعمم على كل الصعد الحكومية استنادا الى تقارير لجان الامم المتحدة"، وهو هدر في رأي المتابعين لمحاولات مكافحته، تحميه الطائفية والحزبية والزعامات السياسية… فضلا عن واقع التوزيع الطائفي في التعيينات ونظام المحاصصة على حساب الكفاية والاهلية.

وباتت العلة الكبرى ليست من الفساد بل من عدم المحاسبة والمساءلة وتغاضي كل عهد عن اختلاسات من سبقه مما عزز الفساد الاداري والسياسي. واذا كان لا عيب في حصول اختلاسات تحصل في كثير من الدول، فان العيب هو في تغطيتها والتستر عليها لئلا يطيح كشفها حكم الانظمة التي تعجز عن مكافحة الفساد ومحاسبة المرتكبين ليقوم مكانها حكم الايدي النظيفة. اولم يهدد الرئيس لحود في خطاب قسمه بقطع يد السارقين فلم يتمكن من قطع اصبع واحد من يده…

وكان العميد ريمون اده قد رأى في حينه ان المكافحة العملية للفساد ومنع الاثراء غير المشروع يكون في رفع السرية المصرفية بدلا من تقديم التصاريح غير المجدية، وعاد خلفه العميد كارلوس الى طرح هذا الاقتراح وطلب تطبيقه على كل من هو في مركز المسؤولية كبيرا كان او صغيرا لمراقبة تحرك حجم ودائعه وممتلكاته بحيث يسأل عن ارتفاع حجم هذه الودائع واسباب ذلك. فالسرية المصرفية لم توضع من اجل افساح المجال للفساد والنهب والسرقة ولا لحماية تجار المخدرات او الفساد السياسي والاداري او الارهاب، بل من اجل المحافظة على الاموال النظيفة والاثراء المشروع. وايد وزير المال السابق جورج قرم رفع السرية المصرفية عن المسؤولين السياسيين وعن كل رجل اعمال يدخل النادي السياسي بحيث يعلن عن امواله ويضعها بتصرف الخبراء.

المصدر:
النهار

خبر عاجل