#dfp #adsense

حتى لا يهاجر الـ14 آذاريون

حجم الخط

حتى لا يهاجر الـ14 آذاريون

"ما لي أنا في بلاد الغرب منفعة
لا الأهل أهلي ولا الديار دياري"
ميخائيل نعيمة

التطهيريون والمهاجرون

في التاريخ الانغلوسكسوني للقارة الأميركية، قصة هي من أعلام الاستيطان في الجزء الشمالي من القارة وهي التي تتحدث عن "البوريتان والبيلغريمز" وتعني "التطهيريون والمهاجرون"، وهم يشكلون إحدى أوائل المجموعات التي استوطنت ما يسمى اليوم بالولايات المتحدة. لقد أسس هؤلاء ثاني مستعمرة أوروبية في أميركا الشمالية عرفت بـ"بلايموث" نسبة الى إحدى المدن البريطانية. في الخلفية الفلسفية ـ الدينية لهذه المجموعة أنها تنتمي أصلاً الى فرقة تأسست في انكلترا وتأثرت بجملة من الأفكار الدينية للمصلحين "جون ويكليف" و"جون كالفين"، وهم يعتمدون الانجيل كقانون الهي ويركزون على التقوى والصلاة ومحاسبة النفس والحياة بشكل مثالي.
كان التطهيريون في أواخر القرن السادس عشر يرغبون في صياغة كنيسة انكلترا على أساس مثلهم، فحاولوا تحويل قيادة الكنائس الى مجالس مشيخة بدلاً من الأساقفة ونادوا بتبسيط الطقوس وجعل الصلاة مسألة خاصة بدل الصلوات الرسمية.

ولكن هذه المجموعة فشلت في تحقيق التغيير وتعرضت للتضييق عليها من قبل السلطات الكنسية مما دفع أفرادها الى الهجرة الى هولندا سعياً وراء الحرية الدينية، ولكن ضعف الأحوال المادية، وانقطاع وسائل الرزق، أجبراهم على الهجرة الى العالم الجديد وكان ذلك سنة 1620 عندما حطوا في ما أصبح اسمه اليوم ولاية ماساتسوسيتش، وبعد سنوات من المعاناة والتضحيات والوفيات، تمكن "المهاجرون" (وهو الاسم الذي أطلق على التطهيريين الذين غادروا هولندا) من إنجاح مستعمرتهم وتحويلها الى إحدى الأساطير المؤسسة للولايات المتحدة الأميركية. أنشأ المهاجرون مجتمعهم المثالي وأسسوا نظاماً تعليمياً خاصاً أنتج ما يعرف اليوم بجامعتي هارفرد وييل المشهورتين.

البوريتانية في الرابع عشر من آذار

منذ اللحظات الأولى التي تلت اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، في 14 شباط 2005، دخل معظم اللبنانيين في مرحلة من المراجعة الذاتية، وكثيرون منا يتذكرون كيف ظهرت ومضات من تاريخ حياتهم في محاسبة للذات على ما اقترفوه من أخطاء وجرائم بحق وطنهم منهم بالقول ومنهم بالفعل وأكثرهم بالإهمال.

لذلك فقط كانت الفترة الممتدة بين الرابع عشر من شباط والرابع عشر من آذار الفترة التأسيسية الأكثر أهمية في تاريخ لبنان. إنها الفترة التي نشأت فيها طائفة جديدة من اللبنانيين، تخطت الطوائف والعشائر والزواريب ووصلت الى مرحلة إيمانية فريدة، تلت فعل الندامة وقررت بعدها أن تصبح طائفة "التطهيريون اللبنانيون" الذين حققوا ثورة الأرز في الرابع عشر من آذار.

يومها ولدت 14 آذار التي كما قال عنها الصديق فارس خشان: "أنها لا تعرف المناطقية ولا الطائفية ولا المذهبية ولا الحزبية، 14 آذارنا التي لا تأبه للمناصب والمراكز بل للشهداء والمناضلين. 14 آذار التي لا تأبه لأحجام الكتل بل بنوعية من سيكون فيها، لا تعترف بالودائع السورية ولا تعنيها الحسابات الدولية ولا تستكين للصفقات الإقليمية، ولا تخشى المخابرات المحلية والإقليمية ولا المنع ولا القتل ولا التهديد، 14 آذار التي لا يمكن تهديدها ولا مساومتها، إنها 14 آذار المناضلة بلا كلل ولا تستسلم لحكمة العجز كمعبر للخيانة التي تسقط المفتنين وتحيا بالوفاء.

إنها 14 آذار التي قال فيها أيضاً الصديق نبيل حسين آغا "إن أغلب قادة ثورة الأرز لم يفهموا أنها ملك الشعب… تلك الأكثرية من هذا الشعب التي كانت صامتة طوال ثلاثين عاماً وانفجرت في 14 آذار فنزعت عنها رداء الخوف والخضوع وعصف صوتها الهادر فأرعب جبابرة الاستعباد والتسلط وبقيت وفية لثورتها ولشهدائنا وواثقة من قوتها. لم يفهم أغلب قادة 14 آذار تلك القوة التي لا تتحمل التسويات ولا الصفقات الانتخابية وكأننا نعيش في أوضاع عادية مع أنهم يعلنون عن أنها مصيرية! على هؤلاء القادة أن يصغوا للأكثرية الشعبية ويتفهموا حسها قبل ان يتحولوا الى أقليات موزعة في حمأة التسابق المهين بين المتهافتين على موائد المساومات والمقايضات "الوطنية"! الكلمة اليوم يجب أن تكون لشعب 14 آذار وصوته العاصف في صناديق الاقتراع ليكون تعبيراً عن إرادته الصادقة… فلا تعرضوا عليه لوائح تحوي أسماء تعارض صدقيتها تحت عناوين التوافق والتحالف.

فنحن لن نصوت لمن خبرنا مواقفهم وارتباطاتهم بالأمس حتى لو بدلوا خطاباتهم اليوم.
لن نصوت لمن غاب عن دعم شعب 14 آذار وقت الاغتيالات والتهديدات والغزوات.
لن نصوت لمن يسعى فقط الى مراتب في المواسم الانتخابية.
لن نصوت للمرتبطين بنظام الوصاية والهيمنة بصورته المخابراتية الفظة أو بصورته السياسية الناعمة.
لن نصوت لمن يسوقون أنفسهم بأعمال خير دون موقف سياسي وطني واضح ولن نصوت لمن يقبل بالأمر الواقع بما لا يجلب إلا الخراب الى لبنان أو يبرر أو يغطي المخربين".

وأعود الى فارس خشان حين قال "انا لن انتخب إذا لم يتوقف قادة 14 آذار عن الحروب الصغيرة التافهة، لقد تعبنا من ذبح مناضلينا من الشخصيات المستقيمة، لمصلحة "ثعالب الزمن" الذين يضعون "إجر بالبور وإجر بالفلاحة". لقد تعبنا من اتفاقاتهم وخلافاتهم وعصبياتهم الحزبية واجندات الوزراء وسكوتنا عن شتائمهم لدرجة اننا بتنا نشك بأننا سنربح نحن لو هم ربحوا. لقد تعبنا لدرجة بتنا نرى كرسي النيابة كارثة على أهدافنا الوطنية وصرنا نفضل البقاء في منازلنا بدل اللهاث وراءهم وصرنا نرى سنوات نضالنا تضيع هباء منثوراً".
لماذا هذا الكلام الآن؟

أنا لست ناقماً ولا ثائراً ولا حتى محتجاً، بل أنا حائر في كيفية إعادة الحياة الى روح طائفة الرابع عشر من آذار التي قررت منذ أربع سنوات أن تكون "التطهيرية" اللبنانية التي سعت، وما زالت تحلم بأن تصبح أقوى وأقدر من العصبيات الطائفية والمذهبية والحزبية لتبني لبنانها على شاكلتها وحسب رؤياها، فهل يحول قادة 14 آذار طائفتهم الى "مهاجرين" يبحثون عن وطن جديد وأرض جديدة؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل