على من تقرأ مزاميرك؟!
بدا كلام الرئيس ميشال سليمان في مناسبة قداس الاخوة المريميين في حريصا، كأنه صرخة ضائعة في برية.
كان يكفي المواطن اللبناني المقيم على التعاسة هنا، او الطافش هربا في انحاء المعمورة بحثا عن استقرار واطمئنان ورزق، ان يتذكر الواقع السياسي وتقريبا الامني المروع في لبنان، وان يستمع الى دعوة رئيس الجمهورية اللبناني الى اخذ لبنان الى مكان الحلم الجميل، لكي يعرف تماما انها فعلا صرخة مخلصة لكنها تضيع في برية بشرية حمقاء كي لا نقول تضيع في "وادي الجماجم"!
❐ ❐ ❐
يستطيع من يقرأ كلام الرئيس في هدوء وتمعن ان يكتشف ان دعوته لاستنهاض اللبنانيين كي يحققوا قيام لبنان الحلم، تنطوي ضمنا على وصف مقتضب ولكن دقيق للبنان الكابوس الذي يسرع الخطى نحو الانهيار، على وقع الانقسامات والخلافات التي تمزق وحدة
ابنائه.
وإن لم يكن الامر في مستوى وصف الكابوس والتسليم به أمراً واقعا الآن، فانه على الاقل تحذير يعلو عند الحافة، من المضي الى الهاوية وقعر الكابوس. ولكن العبرة ليست في كلام رئيس للجمهورية يتأمل في الواقع فيتألم ويحلم بـ"جمهورية لبنان الفاضلة" فيناشد ويأمل، بل ان العبرة هي في النتيجة ومدى استجابة هذه القبائل المتناحرة كي تستدير من وتيرة الجنون الى ارتقاء درب الوطن الحلم، والعبرة ايضا في ان يتوقف التجار والمقامــــرون والمغامــــرون والسماسرة واللصوص عن تخريب الهيكل، وليس هناك من يدخل اليهم بالسوط فيطردهم، مع ما لديهم من افكار الماعز، واحلام الدجاج، وطموح البقر.
يقول سليمان: "تعالوا معي نعيد الى لبنان كرامته وسيادته وعنفوانه كعنفوان الارز"، وفي استطاعة من يسمع الكلام او يقرأه، ان يعرف حدود طموحات الرئيس ومدى ما وصل اليه الواقع. فالدعوة الى استعادة القيم والمراتب يعني اننا سبق لنا ان فقدناها، فلا سيادة ولا كرامة، وقد صار في هذا البلد البائس لبنانيون اذا حدثتهم عن عنفوان الارز يسخرون ويقولون استهزاء "ثورة الزيتون" مثلا بدلا من "ثورة الارز"، كما كان يقال "القنبيط" بدلا من
الارزة.
❐ ❐ ❐
عندما يدعو سليمان اللبنانيين الى استعادة دور لبنان الحضاري والثقافي منارة اشعاع للشرق والغرب، فهذا يعني اننا فقدنا كل صلة بالحضارة والثقافة لان المنارة لم تعد ترسل الضوء، بل صارت مثالا على السوء والشر والجنون، ذلك ان "اللبننة" باتت تعني في العالم عصفورية المتقاتلين في معركة ليس فيها من يخرج منتصرا، فالجميع قتلى امواتا كانوا ام احياء.
اما دعوته الى استرداد ما أُخذ من لبنان ومن موقعه كبلد استقطاب وكسويسرا الشرق، والى "تكريس وطننا الجميل وطن حوار يؤمه الجميع لا ساحة تنابذ وشتم"، فانها تفتح في ما بقي من اللبنانيين الاخيار، جروحا وتطلق آلاما، لان القبائل اللبنانية لم تقصّر في استقطاب كل التناقضات الاقليمية والدولية ليصير لبنان ساحة صراع للاستراتيجيات الكبرى، ولتصبح "سويسرا الشرق" مجرد حلبة مثلا للصراع الدموي بين الممانعة والاعتدال.
وليس في هذا الامر غرابة ما دام بعض العرب والعجم، وبعض اللبنانيين ايضا، يراوح عند النظرية البائسة التي قالت يوما ان طريق فلسطين تمر بجونيه وعيون السيمان، وتقول الآن انها تمر ايضا بعدد من العواصم العربية، وهو ما قد ينشر عدوى "اللبننة" ما بين المحيط
والخليج.
اما عن وطن الحوار، فقد صار في وسع الرئيس الذي يدير هذا الحوار في جلسات موسمية، ان يعرف اشياء كثيرة عن معالجة الفالج، وإن كنا نأمل معه بان تخرج الساحة اللبنانية الغارقة الآن في بحور التنابذ والشتائم، والموسم موسم انتخابات محمومة، من جنون الانقسام الى هدوء العقل والحوار والتفاهم.
❐ ❐ ❐
لن نمضي في استعراض فصول الحلم الذي صوّره الرئيس سليمان للبنانيين لسببين:
❐ اولا: لان التفكير في لبنان الحلم والوطن الحلم، وفي الكثيرين الذين "ثاروا على مر العصور من اجل الارز وانتفضوا من اجل الاستقلال"، قد يدفع الى الأسى والألم، وقد وصلنا الى ما نحن فيه وعليه، بما يهدد فعلا بجعل الحلم في قبضة الذكرى.
❐ ثانيا: لان التفكير في لبنان الكابوس والوطن الكابوس الذي نعيشه منذ اعوام وفي ان اللبنانيين قسمان، قسم مقعد مقيم يمضي معظمه في تدمير الوطن، وقسم مهاجر هارب وطافش يمضي في بناء اوطان الآخرين… لان كل هذا يبعث على ما هو اكثر من الأسى والألم.
ومرة جديدة نرى ان من الضروري القول لرئيس الجمهورية: على من تقرأ مزاميرك يا سليمان؟