بري "يُفتي" بنسب الثلث المعطل إلى الدستور و"حزب الله" يساوي الشراكة بـ"حق الفيتو المتبادل"
حماية الطائف صوناً للسلم الأهلي
في الأيام الماضية "إكتمل النقل بالزعرور" كما يقول المثل الشعبي.
فها هو الرئيس نبيه بري "يفتي" لصالح موقف "حزب الله" من إتفاق الطائف. طبعاً هو "يفتي" كرئيس لحركة "أمل" لا كرئيس لمجلس النواب. فبصفته رئيساً للسلطة الإشتراعية لا تحق له "الفتوى" إلا بما تقرره الهيئة العامة للمجلس النيابي، وإن كان لم يلتزم بـ"حدود" سلطته في مرات عدة خلال المرحلة السابقة.
بري و"إكتمال النقل بالزعرور"
فقد أعلن بري "التمسك بتجربة الثلث الضامن أو المعطل"، على إعتبار أن "لا سبيل آخر لتأكيد مشاركة الجميع" كما قال.
غير أنه لم يقف عند حدود التعبير عن رأي خاص، فسارع إلى القول ان "ليس صحيحاً أن تجربة الثلث الضامن أو المعطل غريبة عن إتفاق الطائف (…) فهي في صلب إتفاق الطائف وروحه وجزء أساسي من الدستور". أي أن بري "إقترف" فعل تنسيب الثلث المعطل إلى إتفاق الطائف.
الشراكة = حق النقض!
لعله من "سوء حظ" الرئيس بري أن يكون موقفه هذا قد أتى متزامناً مع آخر "تقليعة نظرية" لدى "حزب الله" أطلقها أحد مسؤولي الحزب، إذ إعتبر أن "الشراكة" تعني في جملة ما تعنيه حق النقض المتبادل ـ أي الفيتو ـ بين الفرقاء، وأن "فلسفة الطائف" تنهضٌ على "مبدأ النقض".
بطبيعة الحال لا علاقة للثلث المعطل ولا للنقض بإتفاق الطائف. وليس سراً أن تكرار هذا القول لم يعُد يُقدم أو يؤخر. ذلك أن ثنائية التمثيل السياسي الشيعي حزمت على ما يبدو أمر إطاحة الطائف. وهي إستلحقت بها فريقاً من فرقاء التمثيل السياسي الماروني هو الجنرال ميشال عون الذي يدغدغه تغيير الطائف مدّعياً أن تغيير الطائف يعيد إلى المسيحيين حقوقهم، وإلى موقعهم في الشراكة الوطنية ـ أي رئاسة الجمهورية ـ صلاحياته.
ومع أن التكرار في مجال تأكيد عدم وجود أي صلة نسب بين ما تطرحه الثنائية الشيعية وبين الطائف، لم يعد يقدم أو يؤخر، فإن ذلك لا يمنع من القول إن في "الثلث المعطل" و"حق النقض" ملامح "مشروع" حده الأقصى "الغلبة" وحده الأدنى "المثالثة" وحده الوسط "الفدرلة". ومن نافل القول أن في ذلك تعريضاً للعيش المشترك لأخطار كبرى.
إسقاط الطائف بعرض الثلث على 14 آذار
على أن من شأن "الإكثار" من تسليط الضوء على موقف ثنائي "أمل" ـ "حزب الله" من إتفاق الطائف، لفت النظر إلى وجهة حركة الثنائي في المرحلة المقبلة، وتحديداً بعد الإنتخابات النيابية في 7 حزيران المقبل.
لن تكون "المشكلة" كبيرة في وجه الثنائي ومجمل فريق 8 آذار إذا حصد هذا الفريق الغالبية النيابية. فمع أن 8 آذار لن يحصد في أي حال من الأحوال الغالبية "الموصوفة" التي تتيح له إعادة النظر في إتفاق الطائف، فإنه "بات" يعرف تماماً أن 14 آذار لن تقبل لنفسها بالثلث المعطل إذا تحولت إلى أقلية نيابية. ذلك أن مجرد موافقتها على "أخذ" الثلث المعطل يعني أنها تعطي إشارة الانضمام إلى "مشروع" إسقاط الطائف. وعندئذ، وبما أن 14 آذار لن توافق على الثلث المعطل، فإن "الحل" معلن منذ الآن، وقد أعلنه "الحزب القائد" غير مرة، وهو تشكيل حكومة 8 آذارية صرف. أي إما أن تشارك 14 آذار بثلث معطل ويكون ذلك مدخلاً إلى إلغاء الطائف أو الى الشروع بإلغائه، وإما أن ترفض فحكومة 8 آذارية. يا لـ"عبقرية" هذا التخيير!.
محاولة فرض "دوحة 2"
لكن "المشكلة" ستكون كبيرة في وجه الثنائي ومجمل فريق 8 آذار إذا بقي هذا الفريق على وضعه الحالي أقلية نيابية… وهي الحالة المرجحة حتى الآن.
في هذه الحالة، أعلن ثنائي "حزب الله" ـ "أمل" مسبقاً أنه سيطالب بالثلث المعطل عنواناً لـ"الشراكة"! فيما لا يتردّد مسؤولو الحزب في الحديث عن "حقّ النقض" أي "التعطيل". وأعلن الثنائي أن "إتفاق الدوحة" يجب أن يتكرّس.. وإلا فإن ما أدى إلى إنتاج "إتفاق الدوحة" قابلٌ للتكرار أي "السلاح" و"الشارع".
.. "الإضطراب الأهلي"
وبما أن "إتفاق الدوحة" لا يتضمن نصاً ما يشير إلى تمديد العمل به ولا آليات ذلك التمديد، فإن الثنائي سيسعى ـ على ما يبدو ـ إلى محاولة فرض إتفاق جديد بالمضمون السابق حول كيفية تشكيل حكومة ما بعد الإنتخابات، أي "دوحة2". فإذا ما حصل ذلك يكون قد جرى إيقاع البلد في شرك تعليق الميثاق وتعليق الدستور وإذ ذاك يغدو لبنان الكيان والدولة في حال من التعليق.
على أن ما يدعو إلى القلق، بل إلى ما هو أكثر من القلق، أن يؤسّس تعليق الطائف ميثاقاً ودستوراً إذا ما حصل لمرحلةٍ من "الإضطراب الأهلي" بما يضغط للإنتقال من تعليق الطائف إلى تعديله. أي أن القلق هو من بروز خطر "الفتنة الأهلية" من جديد.
مخرج: المبادرة العربية 2008
وإذا كانت كل المقدّمات الآنفة تهدف إلى التشديد على أن العنوان الأكبر الذي يتصدّر ـ أو يجب أن يتصدّر ـ الإهتمام بالإنتخابات وبما بعد الإنتخابات، فإن ثمة ما يمكن طرحه بمثابة "مخرج" إنتقالي يحقّق استمرار المؤسسات في عملها طبيعياً من دون تعطيل، ويحقّق استقراراً بما يتيح ـ بالحوار ـ تطوير الطائف "من داخله" أي من ضمن أسسه وروحيّته.
في هذا المجال، يستعيد عديدون في هذه الآونة مبادرة مجلس وزراء الخارجية العرب في كانون الثاني من العام 2008 والتي جرت صياغتها آنذاك من أجل إخراج لبنان من الأزمة التي كانت عاصفةً به في ظلّ الفراغ الرئاسي. فقد نصّت المبادرة العربية على تشكيل حكومة "بحسب الدستور" بحيث "يكون الترجيح فيها بيد رئيس الجمهورية من دون استئثار أو تعطيل". إن هذه المبادرة تقع "ضمن" الطائف، وهي "على الأقل" لا تتناقض معه ويصحّ إعتمادها بعد 7 حزيران فتكون تجربةً واختباراً، سيما أنها تنسجم أيضاً مع النتائج التي تفرزها الإنتخابات ديموقراطياً.