#adsense

التحدّي أمام “حزب الله”: من المشاركة التخوينية إلى المصالحة الدستورية

حجم الخط

الديموقراطية التوافقيّة هي الأساس شرط التسليم بنهائيتها والعدول عن "الفاشية الموضعية"
التحدّي أمام "حزب الله": من المشاركة التخوينية إلى المصالحة الدستورية

يلجأ أيديولوجيّو "الثلث الضامن" إلى المنطق التالي: "نحن ضد الديموقراطية التوافقيّة من حيث المبدأ، لكننا من دعاة التقيّد المطلق بها طالما أن الطائفيّة السياسيّة لم تلغً بعد، وقد آن لها أن تلغى".
يفرّغ هذا المنطق الديموقراطيّة التوافقيّة من مضمونها، ومن طابعها الميثاقيّ. فشرط المساهمة في تطوير التجربة الديموقراطية التوافقيّة التسليم بنهائيتها، نهائيتها الضامنة لنهائية الكيان اللبنانيّ.

ليست الديموقراطية التوافقيّة إمتحاناً يجتازه اللبنانيّون للتحرّر من أعبائه لاحقاً، ولو بعدَ حين.
ليست ترتيباً مؤقّتاً يتجاوز نفسه بنفسه، على ما يفترضه أيديولوجيّو "الثلث الضامن"، وهو ثلث ضامن للتعطيل، وبالتعطيل، وإلا فهو ضامن لماذا وبماذا؟!

عند هؤلاء أنّ "الثلث الضامن" هو أرقى شكل للديموقراطية التوافقيّة. فبدلاً من مبدأ مونتسكيو الذي تقوم عليه الديموقراطية التمثيلية عموماً، والديموقراطية البرلمانية خصوصاً، وحيث "السلطة تحدّ من عمل السلطة"، يقترح التعطيليّون مبدأ "السلطة تعطّل من عمل السلطة"، ويروّجون لذلك على أنّه أرقى شكل من أشكال المشاركة.

ومنظومة التعطيل الدائم التي يكرّسها "الثلث الضامن"، من شأنها أن توسّع دائرة المشاركة إلى حدّها الأقصى، بحيث لا تكون مشاركة في القرار، وإنّما مشاركة في تعطيل كلّ قرار، ومشاركة في تعطيل القدرة على التقرير داخل مؤسسات الدولة. فعلى أساس هكذا مشاركة يمكن التبرير لنقل الصلاحية التقريريّة إلى مرجعية خارج الدولة، وفوق الدولة، ومرتبطة بمرجعيات في دول أخرى.

يتصوّر دعاة هذه المنظومة التعطيليّة الشاملة أنّه، وحين توسّع المشاركة إلى هذا الحد، يكون تجاوز الديموقراطية التوافقيّة قد حان، ومن خلال إلغاء الطائفية السياسيّة. طبعاً، لم يطرح أي من أيديولوجيي "الثلث الضامن" جدليّة المشاركة التعطيلية على هذا النحو، ولا بأس لو تبرّعنا لهم بالشكل المنهجيّ لهذه النظرية.

يبقى أنّ كل ذلك يتعارض، من الأساس، مع صلب "الديموقراطية التوافقيّة". فهذه الأخيرة لا تمارَس على قاعدة أنّها "مؤقتة". ليس هدف الديموقراطية التوافقيّة إلغاء الطائفية السياسيّة، وليست حجة الديموقراطية التوافقيّة تأجيل استحقاق الفصل والتكامل بين السلطات الدستوريّة إلى حين إلغاء الطائفية السياسيّة. هذا احتيال عليها.. هذا احتيال على الصيغة اللبنانية.

مع ذلك، لا يسع أحد رمي الطفل مع مياه الغسيل. فأن تكون قوى 8 آذار قد تسلّحت بـ"الديموقراطية التوافقيّة، اضطرارياً، وسجاليّاً، فهذا كاف بحدّ ذاته للتفاؤل بأنّه يمكن لهذه القوى أن تتقبّل "الديموقراطية التوافقيّة" بالفعل، وهذا هو المطلوب الآن، بل إنّه محور الدعوة إلى "المصالحة مع الآخر": أن تنتقل 8 آذار ككل، و"حزب الله" على الأخص، من التبنّي الإضطراريّ المؤقّت للديموقراطية التوافقيّة، إلى تقبّلها بشكل دائم، وبحيث لا يكون مبدأ الفصل والتكامل بين السلطات مؤجلاً إلى حين إلغاء الطائفية السياسيّة، بل ضابطاً للعبة الطائفية السياسيّة من داخلها. فلا تستقيم أبداً تمارين "نفي النفي" العبثية التي ترى بأن الطائفية السياسية تتجاوز نفسها حين تتفلّت من عقالها. بالعكس تماماً، عيش الطائفية السياسيّة في إطار ميثاقيّ، دستوريّ، برلمانيّ، يجري تداول السلطة في إطاره، هو أمر ضروريّ. الصعوبة لا تلغي الضرورة بل تعطيها خصوصية ومعنى.

غاية القول إذاً أنّ التحدّي الأوّل لفكرة "المصالحة مع الآخر"، وتحديداً مع "حزب الله"، هو تحدّ نظريّ: هل يمكن أن ينتقل هذا الحزب من تقبّل ظرفيّ، إضطراريّ، مؤقّت، للديموقراطيّة التوافقيّة، إلى حيث الإقتناع الشامل بها بوصفها الشكل الوحيد الممكن لعيش النظام البرلمانيّ في بلد مبنيّ على ثنائية "مسلمين ومسيحيين" منذ ميثاق 43، وعلى مناصفة "مسلمين ومسيحيين" منذ إتفاق الطائف؟
ليست المسألة هي تقرير ما إذا كان "الثلث الضامن" تدبيراً مؤقتاً أو علاجاً دائماً، إنّما المسألة التي ينبغي أن يطرحها "حزب الله" على نفسه، وينبغي أن تساعده الدعوة إلى المصالحة بإتجاهه (إذا ما رفعتها قوى 14 آذار مجتمعة كشعار مركزيّ)، هو ما إذا كانت "الديموقراطية التوافقية" نفسها تدبيراً مؤقتاً أو شكلاً دائماً للنظام البرلمانيّ في لبنان.

والمسألة التي قد تبدو نظريّة ومجرّدة هنا تتعلّق بكل القضايا العمليّة والملموسة، وتتعلّق أيضاً بالذهنيات. لقد دخل "حزب الله" في السنوات الأخيرة في مفارقة غريبة: لقد سجن هذا الحزب نفسه في الخطابية الزاجرة والناهرة منذ تبنّى "الديموقراطية التوافقية" ونادى بأن تكون مطلقة (لكل كتلة برلمانية عدد حقائب وزارية تناسبها) ومؤقتة (تمهيداً لإلغاء الطائفية السياسية) في آن. دخل في معادلة حبّ مطلق.. ومؤقّت.. وبالإكراه. المصالحة إذاً هي مشروع بديل.. من أجل حبّ نسبيّ ومعتدل.. ودائم.. وبالإقتناع.
لا يمكن للديموقراطية التوافقية أن تستقيم على أساس معادلة "أنتم خونة لكننا محكومون بالتوافق معكم"، وإنّما على معادلة "نحن محكومون بالتوافق إذاً لا مجال بعد الآن للتخوين".
فالسؤال هنا يتعلّق قبل الحصص النيابية والوزاريّة، وقبل تقرير حال الحرب من حال السلم، بالنفسيات. هل يمكن أن يتجاوز "حزب الله" الخطابية الزاجرة الناهرة التي يتنافس عليها خطباؤه ومرشّحوه أم لا؟

حتى الآن قدّم لنا "حزب الله" تجارب ثلاث. في الثمانينات، كانت الخطابية زاجرة وناهرة بإتجاه الداخل اللبنانيّ وكان رفض الديموقراطية التوافقية شاملاً ومباشراً. في التسعينيات خفّت خطابية الزجر والنهر بإتجاه الداخل اللبنانيّ لكن على أساس بقاء "حزب الله" خارج السلطة التنفيذية. أما في مرحلة زوال الوصاية فقد عادت وبقوة خطابية الزجر والنهر والتخوين، وبرزت مظاهر "الفاشية الموضعية" لا سيّما في 7 أيّار، وكل ذلك على أساس تبنّي "حزب الله" للديموقراطية التوافقية على طريقته. فهل يستطيع هذا الحزب أن يدخل في مرحلة رابعة، فيؤمّن الشروط اللازمة لتبنّي الديموقراطية التوافقية ويعدل عن خطابية الزجر والنهر ويعالج نزعة "الفاشية الموضعية" التي صار البعض من الخطباء يتعاملون معها على أنّها ملحمة الملاحم؟!

الإنتخابات مصيريّة لأنّ الإستحقاق الحقيقيّ هو دخول "حزب الله" في مرحلته الرابعة، والتي لم تحسم معالمها بعد، وإن كان ثمّة إتجاهان متعارضان يستحيل الجمع بينهما: فإما تبنّي "الديموقراطية التوافقية" على قاعدة المشاركة التخوينية، والزجر والنهر، والتغنّي بالفاشية الموضعية، وإمّا الإنفتاح على شروط المصالحة الدستوريّة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل