لأن ثمة من يمهّد للتركيبات الفدرالية وتكريس الهرطقات وإحلال المثالثة
7 حزيران = معركة الطائف
مرة بعد مرة، يتجدد "تصويب" فريق 8 آذار، صراحة أو مواربة، تلميحاً أو تصريحاً، على اتفاق الطائف. وأول من أمس، كان كلام لـ "حزب الله" في سياق المعركة الإنتخابية شديد الوضوح في أن هذا الاتفاق "ليس مقدساً"، في مقابل تكرار رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري خلال اعلانه اللوائح الانتخابية في البقاع الغربي والشمال، تأكيده التمسك بالطائف ومسيرته وضماناته كعنوان للمعركة الانتخابية في وجهيها السياسي والوطني.
والواقع أن استحضار "حزب الله" الذي يعيش منذ فترة تناقضات وسقطات كثيرة فرضت عليه تكراراً التعويض عنها، أو الهروب منها، الى العنف اللفظي والتهويل الخطابي، للحملة على الطائف في معرض التحشيد الانتخابي، يفترض دلالات عدة تراوح بين سعي الحزب بوصفه رافعة قوى 8 آذار الى تفريغ هذا الاتفاق من مضمونه الدستوري والميثاقي أو الانقلاب عليه بصيغ وتركيبات مبتدعة تتعدى المباشر من الأزمة اللبنانية لتقارب المسّ بالكيان والصيغة والشراكة الوطنية اللبنانية.
"حزب الله" وحلم وراثة الوصاية
في الأساس، لا يجادل أحدٌ في أن اتفاق الطائف، بما هو اتفاق الإجماع والشراكة الذي أنهى الحرب وأسس للصيغة الميثاقية المتوازنة بعدها، قد تعرض لـ "التفريغ" على امتداد مرحلة الوصاية السورية بما أتاح المجال لنظام دمشق لإحكام سيطرته على القرار السياسي اللبناني من خلال السيطرة على المؤسسات الدستورية. بمعنى أن الهيمنة السورية لم تمكّن اللبنانيين من المضي في تطبيق الطائف طيلة الفترة المذكورة. وبعد زوال الوصاية عمل "حزب الله" لتعديل الطائف محاولاً الإيحاء بأنه يتمسك بهذا الاتفاق، لكنه ـ وكما دائما ًـ يلغم موقفه بحيث لا يبدو أن له موقفاً ايجابياً من الميثاق.
فهو إذ يشترط تارة لتطبيق الطائف قيام ما يعتبره ـ هو حصراً ـ السلطة المتوازنة (وهي بدعة لا وجود لها لا في الدستور ولا في وثيقة الوفاق الوطني التي تنص على سلطة ميثاقية) يهرب تارة أخرى الى المطالبة بالغاء الطائفية السياسية (وهو بند منصوص عليه في الطائف) لكن دون أي التفاتة لموضوع السلاح الموجود بكثرة كاثرة بيد "طائفة" بعينها، فيما الطائف نفسه اذ نصّ على الغاء الطائفية أكد على انهاء الميليشيات وتركيز سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. بما يعني أن فقهاء الدستور ساعة صاغوا نصّ وثيقة الوفاق انما افترضوا أن "إخراج" الذهنية اللبنانية من مرحلة الحرب و"إدخالها" في مرحلة بناء الدولة يفترض مساراً ديموقراطياً نحو الدولة المدنية العابرة للطوائف والتنظيمات، وذلك لا يتم في ظل السلاح، لأنه (أي السلاح والحال هذه) يغدو أداة تسلط وقهر وفرض ووصاية من طائفة على طوائف أخرى، وهو أيضاً مشروع غَلَبة أو تكريس لواقع الفيدراليات والقهر وتلويح مستمر بالترهيب وضرب الاستقرار.
المسألة أن "حزب الله" سعى جاهداً من خلال ممارساته السياسية منذ العام 2005 إلى وراثة الوصاية بكل مظاهر هيمنتها وتسلطها على مؤسسات الدولة في لبنان، لكنه أول من أمس، كشف صراحة ما كان يستره حين أعلن عن مقصده السري من المعركة الانتخابية، وهو اعادة النظر في هذا الاتفاق، فبين اعلان رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد ان "الطائف ليس قرآناً ولا إنجيلاً"، وتلويح مسؤول آخر في الحزب بأن "كل محاولة للتفرد في الحكم في لبنان تأخذ البلد إلى عدم الاستقرار وهذا ليس تهديداً بل وصف للحال"، يبقى ان يكشف لاحقاً ان ذلك سيصب في مصلحة إحلال المثالثة بدل المناصفة.
مسميات كثيرة لهدف واحد
اللافت، والطريف في آن، هو أن مواقف تلاوين المعارضة في لبنان المنتقدة للطائف والمطالبة بتعديله منذ الانسحاب السوري، تأتي من تحالف لم يؤمن أساساً بهذا الاتفاق ـ الضمانة، وقد أثبتت الوقائع والأحداث على امتداد السنوات الأربع الأخيرة أن كل ممارساته هي بمثابة انقلاب على الطائف والدستور، وقد سمع اللبنانيون من هذا الفريق طيلة هذه الفترة، "هرطقات" ومصطلحات وتفسيرات جرى تنسيبها الى الطائف والحال أن لا دخل للطائف بها من قريب أو بعيد. ألم يتوسل هذا الفريق الطائف ذريعة لتعطيل البلاد بهدف عرقلة المحكمة الدولية، تارة تحت شعار "حكومة الوحدة الوطنية" علماً أن الطائف لم ينص إلا على حكومة وفاق وطني ولمرة واحدة ولمهمة واحدة هي وضع بنوده موضع التنفيذ، وتارة أخرى تحت مسمى "الثلث المعطل" فيما الطائف أكد على أطر المشاركة الوطنية لا على تعطيلها، كما أنه لم ينص أو يُشر أو يلمح الى أن استقالة وزراء طائفة أو مذهب تنزع الشرعية عن الحكومة فتجعلها غير دستورية طالما أنها شكّلت على أساس من مراعاة الميثاق الوطني في العيش المشترك، وحدد بشكل دقيق الحالات التي تجعل منها غير دستورية أو في حكم المستقيلة؟.
بالتوازي، ثمة من يرى ان الطائف عند هؤلاء إنما قام على أساس وجود الوصاية السورية، فإذا ما انتهت تحت أي ظرف انتهت مفاعيل هذا الاتفاق وبات لبنان بحاجة الى صيغة جديدة، ويستعيد آخرون في هذا المقام "عرضاً" قيل ان ايران ناقشته مع بعض أطراف المجتمع الدولي العام 2007 يقوم على تعديل الصيغة اللبنانية بما يحسّن ظروف الشراكة الشيعية من خلال اعتماد صيغة المثالثة بدل المناصفة مقابل المساهمة في حل الأزمة اللبنانية المستفحلة حينها وأيضاً بحث تخلي "حزب الله" عن سلاحه.
وبناء على هذه المقدمات، ليس مبرراً أبداً الركون الى الاعتبارات الدستورية التي تقتضي إجماعاً سياسياً وطنياً وليس أكثرية نيابية لتعديل الطائف، أو القول ان المسّ بالمناصفة الإسلامية ـ المسيحية التي أرساها الطائف سترفضها البيئة المسيحية قبل غيرها لاعتبارات كيانية ووجودية وميثاقية، ذلك ان من يسعى الى إحلال البدعة مكان الأصل ماضٍ في تهيئة أجواء هذا الانقلاب وظروفه وحيثياته، كما فعل في الفترة السابقة لتشكيل حكومة بثلث معطل.
وواقع الأمر، وهو ما يقتضي التشديد عليه، هو أن الارتداد على الطائف والدستور، معبراً عنه بكل المواقف والممارسات والمطالبات والعرقلات لمجمل الفريق المذكور، هو في واقع الحال ارتداد على الدولة، فكرة ومشروعاً ومؤسسات وصيغة ومصائر، هو ضربٌ لكل ذلك في الصميم ورميٌ للبنان في المجهول، ويعني في ما يعنيه التفافاً على مرجعية الشراكة الوطنية وعملية بناء الدولة، وأكثر من ذلك هو يمهد لإعادة تركيب النظام اللبناني على أساس فيدرالي بدل الدولة المركزية.
تشكيل مناخ ما بعد 7 حزيران
إذاً، ما يقدّمه "حزب الله" ـ في السياق الذي يُطرح ضمنه ـ وخصوصاً إعلانه المتكرر ان اتفاق الدوحة هو ما سيضبط العلاقة بين اللبنانيين وإيقاع المؤسسات قبل 7 حزيران وبعده!، هو بمثابة اثارة غبار حول اتفاق الطائف تمهيداً للانقضاض عليه عاجلاً أم آجلاً، وليس سراً في هذا المجال أن الاهتمام الأكبر لـ"حزب الله" في الإنتخابات ينصبّ على أن يعود حليفُه الجنرال ميشال عون بأكثرية التمثيل المسيحي كي يؤمّن الغطاء لـ"مشروع إنهاء" إتفاق الطائف. وعلى أي حال، فقد سبق لعون أن أكد من دمشق أن 8 آذار يتطلّع إلى تحصيل غالبية نيابية تمكّنه من "تعديل" الطائف وإعادة النظر فيه.
وبحسب أوساط متابعة فإن ما "ينبغي" توقّعه إذاً هو أن معركة "حزب الله" المقبلة هي من شقّين: الأول تعليق إتفاق الطائف ودستوره. والثاني فرض بحث في "صيغة بديلة" تراوح بين تحكيم العددية من ناحية والمثالثة من ناحية أخرى، لكن في ظلّ صيغة إنتقالية يمثّلها "إتفاق الدوحة".
إن ما يقوله الحزب، خطاباً سياسياً وممارسة سياسية، من غير أن ينوب عنه أحدٌ في الإستنتاج، ان مرجعية الطائف ستكون على بساط البحث سواء فاز فريق 8 آذار بالغالبية النيابية أو لم يفز. وقد سبق لأمينه العام أن قال انه في حال فوز فريقه بالانتخابات فانه سيعرض على 14 آذار "الثلث المعطّل" في حكومة تشكّلها أكثرية 8 آذارية، فإن قبلَت 14 آذار العرض كان ذلك موافقةً منها على نسف الطائف، وإن لم تقبل يبحث 8 آذار عندئذٍ كيفية إستخدام أكثريّته، أما إذا فازت 14 آذار بالغالبية النيابية مجدداً، فهي لن تحكم لأن "الثلث المعطّل" مطلب الفريق الآخر بإصرار.
ماذا يعني ذلك كله؟
يعني ان ما تشهده البلاد حالياً في مرحلة الإنتخابات، ليس سوى عملية "تشكيل مناخ" نسف الطائف بعد 7 حزيران، وتالياً تصبح مواقف النائب الحريري مفهومة المقاصد والأهداف، ويبقى السؤال الرئيسي في الفترة الفاصلة عن استحقاق حزيران وما بعده هو، هل ثمة من شك بعد ذلك أن الإنتخابات مصيرية للبنان بالفعل، وأنها مصيرية بالنسبة إلى الشراكة الوطنية، وإلى المناصفة الإسلامية ـ المسيحية، وإلى العيش المشترك بمجمله؟