"رجــل دولــة"..
يمتعض كثيرون من تعاطي رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع بهدوء شديد بل بـ "حكمة" نفتقدها في كثيرين من السياسيين مع الأزمات الداهمة، بل "يُنشّف" دمهم وماء وجوههم من هدوئه، ولا نودّ هنا مقارنته بآخرين في السياسة، حتى لا نظلم الرّجل ولا نظلم السياسة أيضاً، لأننا نعيش "أسوأ" أيام تعاطي السياسة في تاريخ لبنان المعاصر..
وقد استطاع الدكتور سمير جعجع خلال أعوام أربعة أن يتجاوز كل الأفخاخ والشِّراك السياسية والأمنية التي نُصبت له وحوله في طريق ترسيخ حضوره كوجه سياسي "ذو خصوصية" شديدة، فلا شُبهة لهاث خلف مقعد نيابي تشوب صورته، ولا روائحَ "استيزار" خدماتي تلوح بين أهدافه..غالباً نجد الرّجل ما زال على ما كان يقوله في لبنان السيد الحر المستقل منذ ما قبل الطائف، ولبنان الدولة والمؤسسات والسيد الحر المستقل منذ ما بعد الطائف، ولم يغيّر قيد أنملة في مواقفه، ونظرة على شارع السياسة ووجوهها، لنجدها تُبدّل ألوانها، وتنزع عنها حوادث المواقف أقنعة مذهلة في بشاعةِ استجدائها أحياناً..
كثيرون يصابون بالهلع عندما يسمعون سمير جعجع يتحدث بمنهجية أكاديمية واضحة و"مبسّطة"، منذ غادر ولبنان السجن، والرّجل متريث دقيق في احتساب خطواته، وأكثر دقة في إطلاق تصريحاته، فلا يتورط في مزايدة ما في لحظة دقيقة ومصيرية للبنان، آخر مواقفه الحكيمة كان أمس الأوّل، فقد كان ردّه شديد الدقة على كلام رئيس اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط، ولم يتأخر في إطلالته ليرد على الكلام الجنبلاطي الذي تم بالأمس "تكحيله" للململة ما يمكن لملمته، فجاءنا معترفاً ومقراً بخطئه، وما كان أغنى وليد بك عن مواقفه الأخيرة، ما كان أغناه عن قول ما قاله لاعتبار "حرمة" الخلوة وقدسية منزلتها، وهذا غير مألوف بل ومستهجن في خلوات "عبادة" وأخلاقيات كبار علماء بني معروف، وما كان أغناه عن قول ما قاله يوم الأحد عن كونه لن يعتذر ولن يبرر فأخطأ في حساب المضاعفات، وما كان أغناه عن "خطابه" القصير بالأمس الذي حاول عبره صياغة اعتذار و"لفلفة" أزمة ورّط فيها نفسه!!
عندما أطل جعجع للردّ على كلام جنبلاط، قال كلاماً شديد الاختصار والثقة، ومليئة بمجازات المعاني التي "تلهّى" عنها كثيرون عمداً لا سهواً، حتى لا يضطروا للإقرار لجعجع بما قاله عن نفسه من موقعه كأحد قيادات البلد الكبرى، وكأحد قيادات 14 آذار الكبرى، وكأحد المعنيين كمواطن "ماروني" بما قيل.. وقف جعجع ـ وهو لأول مرة يكشف عن خط رسمه لنفسه ولم يحد عنه حتى الآن ـ قال ببساطة: أنا "رجل دولة"، وعليّ أن أتصرف كرجل دولة، رامياً ما قيل وراء ظهر الموارنة مخرجاً إياه من حيّز المتاجرة الانتخابية واضعاً الموقف الوطني العام وأهميته فوق الموقف الشخصي والموقف الطائفي، ويفترض أن كثيرين متأكدين من أن جعجع لا تنقصه لا الشجاعة ولا الإقدام إذا ما أراد الردّ، بل وعلى طريقته المنهجية فتح صفحة تاريخ الموارنة ودورهم على مستوى لبنان وقيامه واستمراره كوطن، ودورهم في النهضة المعرفية الفكرية العربية عموماً (…)
عندما قال "جعجع" عن نفسه أنه رجل دولة، لم يخطئ، فهو تصرّف على هذا الأساس منذ اتفاق الطائف، بل أكثر من ذلك فهو عندما رفض "الاستيزار" في التسعينيات اعتبروه خارجاً على بيت طاعة الوصاية، الذي دخله الجميع مطأطئي الرؤوس، وظل وحده يُعاند مطالباً بتطبيق الطائف، الذي صار ذكره في ما بعد جريمة تستحق عقوبة "القتل"، واختار الذهاب مرفوع الرأس باتجاه السجن، فحمل حقيبته ومشى، على نسق رجال دولة كثيرين عرفناهم في العالم العربي دخلوا السجون وتعرّضوا للنفي يوم كان في بعض دول العالم العربي روائح ديموقراطية تعبق في الحكم أحياناً على رغم الاستعمار الأجنبي!! أما الذين "يهتّونه" بالعفو، فالردّ عليهم بسيط: في تاريخ لبنان رئيسان صدر بحقهما حكم بالإعدام، وسقط عنهما الحكم بمرسوم عفو..
نعم، لقد تصرف جعجع كرجل دولة في لحظة خطرة ومثيرة للغرائز المارونية التي لنا عليها مآخذ كثيرة، وهو مشكور على موقفه هذا، لأنه واعٍ أن الحديث اليومي وأسطوانة الصباح والمساء عن التصدّع الذي يضرب 14 آذار وثورة الأرز، هو أقصى ما تتمناه الوصاية الراغبة إلى الأبد في العودة إلى لبنان..وللأمانة، وشهادة حقّ في حقّ هذا الرّجل، وإن أغاظت كثيرين، أو استفزّت كثيرين، أو عليها كثيرون، فالحقّ أحقّ أن يُقال، منذ زمن بعيد، منذ خسر الموارنة رجالاتهم ومفكريهم السياسيين الكبار، لم يحظَوا برجل "ذو حجة وبرهان ودليل"، بل بالكثير ادّعى زعامتهم صيّاحون متوترون غوغائيون أنانيون وأصحاب مآرب شخصية كانت أقصى طموحاتها حدود الجلوس على "قعدة" الكرسي ودندلة الأقدام"!!والموارنة للأسف عندهم "أرجل" كثيرة، معظمهم يسعى ليكون "رِجْلُ" دولة، ولا يطمح طامح بينهم ـ إلا قلّة قليلة لها قدرها وقيمتها ـ حتى في أحلامه أن يخرج على اللبنانيين ليقول لهم "أنا رَجُلُ دولة"!!
وليس في واقع الموارنة رجل دخل السياسية من بوابة الحرب اللبنانية وعنفها وتجاوزاتها وعسكريتها، واستطاع أن يتخطّى صورته العسكرية الحربية، وأن يحوّل سجنه إلى أعوام من القراءة والتفكير، وأن يؤكّد في سنوات أربع فقط وفي لحظات الانزلاق الخطرة والكبرى أنه فعلاً "رجل دولة"، فيما يمضي سواه من السياسيين وقتهم في القول وتوضيح ما قالوه، أو الحديث عن فصائل "الحيوانات، والزواحف، والحشرات"، أو الاستماع إلى قول ما و"الفلتان" لادّعاء الردّ عليه في لحظة تجارة انتخابية "بائرة" وبضاعتها الكاسدة والخاسرة!!