وسط تبدّل الأولويات الخارجية والتركيز على التسوية في المنطقة
التعامل الدولي مع أكثرية جديدة محتملة رهن سياسات مختلفة
يمكن ان تفيد قوى 8 آذار، في رأي مراقبين ديبلوماسيين في بيروت، من الموقف الاميركي الاخير الذي اعلنته وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عن استمرار الرغبة الاميركية في الحوار مع ايران، على رغم الموقف الذي اعتمده الرئيس الايراني احمدي نجاد في مؤتمر مكافحة العنصرية في سويسرا وأثار حفيظة الولايات المتحدة الاميركية وسائر الدول الغربية، من اجل الطمأنة الى احتمال تغيير الولايات المتحدة ودول الغرب معاً موقفها من هذه القوى في حال فازت بالاكثرية في الانتخابات النيابية المقبلة. فهذا التوجه الاميركي الذي يعبّر عن ارادة فعلية لمقاربة مختلفة في المنطقة يمكن ان توظفه هذه القوى في هذا الاتجاه بالتزامن مع ادراكها ان المجتمع الدولي سيتعاطى حكماً والواقع السياسي اللبناني اياً تكن الاكثرية فيه. لكن الاتجاه يبقى مبدئياً، خصوصاً في عزّ انشغالات الدول بأولويات اخرى في جدول اعمالها.
ومع ان هذا التعاطي هو رهن سياسة كل دولة على حدة، يعتقد ان دول المجتمع الغربي، اي اميركا واوروبا، وحتى بعض الدول العربية ستعتمد معايير مختلفة في التعاطي المستقبلي مع لبنان، ولا سيما متى كانت هذه الاكثرية، في حال فازت، قوى 8 آذار المتحالفة مع سوريا والتي يشكل "حزب الله" عمادها، تحكم وحدها من دون مشاركة قوى 14 آذار.
والمعايير قد تتفاوت من دول الى اخرى، وهذه الدول لن تقاطع لبنان كما قاطعت سلطة حركة "حماس" في غزة لسبب رئيسي هو ان لبنان دولة على رأسها رئيس للجمهورية منتخب، تبدي كل الدول احترامها لدوره وموقعه وتحرص على استمراره ممثلاً لبلده، ومرجعية له، اياً تكن طبيعة الحكومة المقبلة.
الا انه لا يمكن توقّع ان تحافظ هذه الدول على حرارة علاقاتها الراهنة مع لبنان نتيجة التطورات المحتملة، علماً ان ديبلوماسيين كثيرين ممن يلتقون مسؤولين من "حزب الله" يلحظون وجود مقاربة مختلفة لديه ليس حيال الدول الغربية فحسب، بل ايضا في الخطاب الداخلي في حدود ما يعتبر مقبولا ومفهوما بالنسبة الى هذه الدول، وان تكن التطورات الاخيرة مع مصر شكلت انذارا من حيث توسع الحزب في نشاطه الى خارج لبنان، وعدم قصره على تحرير الاراضي اللبنانية المحتلة بما يوحي ان المقاربة التي يقدمها تكتية أكثر منها استراتيجية، وفي العمق ومن أجل تليين او تغيير المواقف الغربية حياله.
وثمة ديبلوماسيون كثر لا يخفون قلقهم من اكثرية من قوى 8 آذار حتى ولو كانت الحكومة المقبلة مشابهة للحكومة الحالية وبأكثرية مختلفة، ولن تحدث فيها تطورات مهمة او جذرية من حيث طبيعة الكتل الطائفية وثقلها، وكذلك من حيث شل عجلة الحكم من خلال الثلث المعطل. ويعتبر هؤلاء ان الامر قد لا يكون مهما لإحداث أي تغيير ملموس لأن لبنان سيبقى حتى اشعار آخر ساحة لصراعات الآخرين، ولكن ساحة غير متفجرة وموضوعة في حال انتظار حتى تتبلور مجموعة ملفات وأمور في المنطقة.
وهناك أسباب أخرى تصب في هذا المنحى على أساس ان الدول الغربية والعربية خف اهتمامها بلبنان لأسباب عدة منها ان هذا الاهتمام كان كبيرا جدا ويتعدى قدرة لبنان وحجمه، وتاليا يحاول بعضهم التخفيف او التبرير مسبقا لتغيير التعامل الغربي المحتمل مع لبنان في حال وصول أكثرية من قوى 8 آذار بالقول ان الاهتمام الخارجي لن يعود كما كان في الاعوام الاخيرة، بل سيعود الى حجمه الطبيعي. لا بل ان التبريرات التي يعتقد ان هناك من قد يسوّقها تتصل ايضا بكون الدول الكبرى تراجع اهتمامها أصلا بالملفات السياسية، علما ان ادارة الرئيس الاميركي باراك أوباما أعطت اشارات جدية جدا الى ايلائها قضية الشرق الاوسط الاولوية في بداية عهده. وأحد أبرز هذه المؤشرات صدر قبل يومين، الى جانب الجولة الثانية للمبعوث الاميركي الى المنطقة جورج ميتشل، ودعوة الرئيس الاميركي كلا من الرئيس المصري حسني مبارك ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ورئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو الى واشنطن بالتزامن، مع اصراره على حل للقضية الفلسطينية يقوم على خيار الدولتين الفلسطينية والاسرائيلية.
وتراجع اهتمام الدول بالاولويات السياسية حصل لمصلحة المشاكل الاقتصادية على رغم ان الكلام على عدم وجود اهتمام كاف بالمواضيع السياسية غير دقيق الى حد بعيد وخصوصا ان موضوعي افغانستان وباكستان قفزا الى الواجهة اخيرا وفرضا نفسيهما بين الاولويات السياسية الحساسة.
هذه العناصر تتضافر جميعها كي تجعل لبنان في المرحلة المقبلة ساحة انتظار الى ان تظهر جدية التحرك الاميركي وقدرة أوباما على تقديم حل للمشكلة الفلسطينية من جهة، وتبلور الحوار بين واشنطن وطهران من جهة أخرى، وقد يتجاوز الحد الادنى لهذا الانتظار حدود السنة على أقل تقدير.
