مقعد بيروت – 3 يخدم مصالح الإنجيليين والطائفة تسعى إلى تصحيح سجلات قيدها
جنى نصرالله
يخلط المواطنون بين المقعد الانجيلي والمقعد الخاص بالاقليات، فيدرجون المقعدين في خانة واحدة، علما ان الانجيليين لا يشاركون الاقليات في مقعدهم والعكس صحيح. ويعود سبب الالتباس الى ان الانجيليين من الاقليات قياسا على عدد ناخبيهم الذي يبلغ نحو 17967، علما ان عددهم الفعلي يرتفع الى نحو 60 الف نسمة. ولكن المشكلة وفق ما يشرحها الامين العام لرابطة المدارس الانجيلية في لبنان نقولا الاسطا تكمن في ان نسبة كبيرة من الانجيليين ادرجوا في خانة الكاثوليك والارثوذكس في سجلات القيد. لذا، تسعى الطائفة الانجيلية الى تصحيح لوائح الشطب واعداد احصاء لابناء الطائفة وترتيب اوضاعها بالتعاون مع وزارة الداخلية".
لا يعاني الانجيليون مشكلة فعلية في التمثيل. اذ انهم اعطوا مقعدا في مجلس النواب منفصلا عن مقعد الاقليات منذ الخمسينات، وان كانوا يطمحون الى الحصول على اكثر من نائب. ولكنهم يعتبرون ان وضعهم مقبول مقارنة بالاقليات المسيحية الاخرى التي يقتصر تمثيلها على مقعد واحد. ويقول "ان التركيبة اللبنانية لا تسمح للإنجيليين وللاقليات بالحصول على موقعهم الطبيعي، على رغم ان الانجيليين ليسوا حالة طارئة على لبنان".
غير ان الانجيليين اكدوا، في المقابل، حضورهم في الحياة السياسية والاجتماعية. وكانت لهم حصة في المناصب الوزارية، والقضائية، والاجتماعية، منذ ان تشكلت دولة لبنان الكبير. اذ عين المفوض السامي الفرنسي، ايوب ثابت، وهو انجيلي، رئيسا لدولة لبنان الكبير في ولاية دامت اربعة اشهر وثلاثة ايام. ويُسمي الاسطا ابرز الانجيليين الذين تركوا بصمات في الحياة العامة، وأبرزهم: وديع صبرا، ملحّن النشيد الوطني ومؤسس المعهد الوطني الموسيقي، المدعي العام العسكري القاضي فوزي داغر، وديع حداد الذي كان مستشارا للرئيس امين الجميل، ومؤسس المركز التربوي للبحوث والانماء، المستشار الاقتصادي الدكتور كمال شحادة، الشيخ فارس داغر الذي اضطلع بدور مهم في اتحاد الروابط المسيحية، وثلاثة وزراء اقتصاد هم: سامي حداد وسمير مقدسي والشهيد باسل فليحان.
عُرف الانجيليون في لبنان اعتبارا من عام 1823 من خلال حركة المرسلين وقيام المؤسسات التي تطورت مع الوقت. وتركز النشاط الانجيلي في انشاء الجامعات واشهرها على الاطلاق الجامعة الاميركية في بيروت التي اسسها داني بليس عام 1860، والجامعة اللبنانية – الاميركية، وجامعة هيكازيان، و"جامعة الشرق الاوسط"، وعدد من المدارس تجاوز عددها 28 مدرسة الى كليات اللاهوت. اما نقطة تمركزهم، فكان في رأس بيروت، والاشرفية، وبرج حمود حيث يقيم الانجيليون الارمن. اذ ان الانجيليين ينقسمون بين ارمن وعرب. وهنا تقع أزمة التمثيل، ذلك ان الانجيليين الارمن يعتبرون ان المقعد هو من حقهم في حين يعتبر الانجيليون العرب ان الارمن ممثلون في المجلس، وبالتالي ان المقعد من حق الانجيليين العرب حصرا. يحرص الاسطا على التأكيد ان "لا مشكلة اطلاقا مع الارمن، ولا رغبة لدى الانجيليين في اثارة اي حساسية لا خلال الانتخابات ولا قبلها ولا بعدها، ولكن السؤال هل يمكن الارمني الارثوذكسي او الارمني الكاثوليكي ان يترشح عن المقعد المخصص للارثوذكس او للكاثوليك؟".
الازمة ليس جديدة، بل تتجدد مع كل دورة انتخابية، وخصوصا ان حزب الطاشناق كان يرغب في ان يكون هذا المقعد من نصيب الارمن منذ انتخابات عام 1964. وطالب في حينها بأن يسمي هو المرشح البروتستانتي، ثم جدد مطلبه في انتخابات 1968. وبعد مفاوضات طويلة بين حزبي الكتائب والطاشناق، تم الاتفاق على ان يكون المرشح الانجيلي غير ارمني على ان يكون سمير اسحق نائب الانجيليين. ووُضع تعهد خطي وقعه الحزبان ينص على وضع حل عادل لمسألة المقعد الانجيلي الذي كان في دائرة بيروت الاولى. غير ان هذا التعهد لم يحل الازمة التي اطلت برأسها من جديد في انتخابات 1972. عند ذلك احتكم الحزبان الى الرئيس كميل شمعون الذي اقترح ان يعطى المقعد مداورة مرة للانجيليين الارمن ومرة للانجيليين العرب. وكانت البداية مع انترانيك مانوكيان لينتقل معه المقعد للمرة الاولى الى الانجيليين الارمن الذين حافظوا على هذا المقعد لخمس ولايات متتالية بعدما تعذر اجراء الانتخابات النيابية بسبب الحرب. وحلّ ابراهام دده يان مكان مانوكيان بعد وفاته ليفوز بعد ذلك عن مقعد الانجيليين في دورتي انتخاب 1992 و1996 ، وخصوصا ان بيروت اصبحت في حينها دائرة انتخابية واحدة. وهكذا، لم ينفذ مبدأ المداورة الذي بقي حبرا على ورق، واستأثر الارمن بالمقعد الانجيلي اعتبارا من عام 1972 وحتى انتخابات عام 2000. حينها، استعاد الانجيليون العرب المقعد من خلال الشهيد فليحان الذي ترشح على لائحة الرئيس رفيق الحريري. ثم اصبح باسم الشاب ممثل الانجيليين في انتخابات 2005 بعدما ترشح ضمن "كتلة المستقبل" التي يرأسها النائب سعد الحريري.
ويبدو جليا ان التجاذب السياسي والحسابات الانتخابية هما العنصران اللذان يحددان هوية ممثل الانجيليين الذي يكون تارة ارمنيا وطورا عربيا، علما ان الاسطا يؤكد ان مصلحة الانجيليين الترشح في بيروت الثالثة لان كل مصالحهم في رأس بيروت.
وثمة اليوم ثلاثة مرشحين انجيليين عن هذا المقعد هم النائب باسم الشاب الذي ترشح على لائحة "تيار المستقبل" ويدعمه الانجيليون، والمرشحان الانجيليان الارمنيان المنفردان دونالد بابيكيان وجورج اشخانيان. والسؤال اذا حُسم المقعد الانجيلي لمصلحة الانجيليان العرب، فلماذا تقبل طلبات ترشيح الانجيليين الارمن عن هذا المقعد، والعكس صحيح. اما اذا كان الانجيليون كتلة واحدة ارمنا وعربا، فلماذا يطالب الارمن ان يكون المقعد لهم حصرا انطلاقا من ان يكون المرشح انجيليا أرمنيا؟