Site icon Lebanese Forces Official Website

سمير فرنجية.. لا مقعد يغيّر عقله ولا موقع يتحكم برأيه

رجل "الاعتدال" في انتفاضة الاستقلال .. متحرر ومتصالح مع الآخر المختلف
سمير فرنجية.. لا مقعد يغيّر عقله ولا موقع يتحكم برأيه

أيمن شروف
في 8 حزيران من العام 2009، ينتظر اللبنانيون مشهداً جديداً، يُطل عليهم من ساحة النجمة، في صبيحة اليوم الأول بعد الانتخابات النيابية. بكل الأحوال، وبغض النظر عن النتائج التي ستعكس، أو بالأحرى يقال إنها ستعكس الخيار الديموقراطي للبنانيين، فالمجلس النيابي المقبل سيكون من دون سمير بك فرنجية.

في أولى مسلسلات مجلسنا العتيد، سيغيب أحد أبرز رجالات ثورة الأرز، ولكنه لن يرتضي أن يغيب عن "الثورة"، عن الانتفاضة السلمية التي بدأها في قرنة شهوان، وتوجها في 14 آذار من العام 2005.. وتستمر من المجلس أو من خارجه، فالحال واحدة، لأن الهدف واحد لا يتغير مهما تغيرت الظروف و"تشقلبت" المواقع.. ولأن الحرية والسيادة وما يتبعهما، رسالة أرادها وحملها ابن رجل الاستقلال الأول حميد فرنجية، وسيبقى يناضل من أجلها.

قبل أن يدخل سمير فرنجية "معركة الحرية" فعلياً، مهد لها الطريق مسبقاً، لأنه يدرك تماماً أن لا مكان للتحرر إذا بقيت العصبيات هي التي تحكم بين الشعوب، وبالأخص بين الشعب الواحد المختلف الانتماءات، تماماً كما هي الصيغة اللبنانية، بتعدديتها وتنوع مذاهبها وطوائفها، ولهذا عرف فرنجية مسبقاً أن بوابة الحرية المنشودة، تبدأ في تقريب وجهات النظر المتقابلة، والحوار بين المختلفين، وصولاً إلى إعلاء القيمة الانسانية لدى الفرد في المجتمعات، ومعها ضمان حق الاختلاف في الرأي دون أن يأخذ هذه الاختلاف أي طابع عنفي.

ومن هذا المنطلق، ما كان منه إلا أن كرّس نفسه للحوار، فجند نفسه في المؤتمر الدائم للحوار، ورفض الأصولية بكل أشكالها، ودعا إلى العودة إلى الدين بما هو فلسفة لفهم الذات والآخر. "فليس هناك من دين الا ويشترط وجود الآخر في ضمير المؤمن"، وكان من أكثر الداعين إلى إحياء صيغة التفاعل الانساني التي عرفها لبنان وتطويرها، انطلاقاً من إيمان وطني بها، واقتناع متجدد بأنها الاطار الأوفق لخيارنا الحضاري التاريخي، مستفيدين من دروس الحرب.

ولأن لبنان يمثل حاجة مستمرة لتفاعل خلاق بين المسيحية والإسلام يمنح أبناءهما "فرصة الاغتناء الروحي المتبادل من خلال العيش المشترك المؤسس على الحرية والمساواة"، استغل فرنجية أول فرصة "تحررية" توفرت أمامه، وكان ذلك فعلياً بعد بيان المطارنة الموارنة عام 2000، فشارك في تأسيس قرنة شهوان، التي مهدت الطريق أمام اللبنانيين للمطالبة بالحرية والسيادة، على أرض أنهكتها وصاية "الأشقاء"، وفي مجتمع عمل النظام السوري على تغذيته بالحقد، كوسيلة للاستمرار..

من قرنة شهوان، بدأ فرنجية حراكه الفاعل لقيام جبهة تؤمن بلبنان الواحد المستقل، متكئاً على تاريخ من العمل في صفوف اليسار، وفي الحركة الوطنية، واستطاع من خلال قرنة شهوان أن يشيع في أوساط الجماهير جواً من الأمل بأن الحرية آتية لا مفر، وأن الوصاية مصيرها الزوال، ومدركاً في نفس الوقت أن الهدف الذي من أجله كانت قرنة شهوان عنوانه الأول والأساس، تعميم "الثورة السلمية" كي لا تبقى الحرية أسيرة الشعارات الفارغة.

يحسب لسمير فرنجية هدوؤه في عز "النضال" وفي أوْج الأزمات، وحكمته في اتخاذ المواقف الوطنية دون أن ينسى وفاءه للكنيسة، ودعمه الدائم لسيدها، الذي احتضن أعضاء "القرنة" وأمن لهم الغطاء اللازم، لإكمال المسيرة، التي أطلق شعلتها بنفسه عام 2000، فكان فرنجية ومعه وجوه عديدة من الذين كان لهم الشرف بأن يكونوا، روّاد الثورة، والنواة التي جمعت من حولها الأحرار قبل أن تطلق "الانتفاضة" التي حطمت قيود الصمت وانتصرت للبنان واللبنانيين.

على مشارف التمديد المشؤوم، أدرك سمير فرنجية أن لحظة الصفر قد أتت، فهو من المؤمنين أنه لا يمكن للبنان أن يتحرر من الوصاية السورية إذا بقيت "حركات المعارضة" مقتصرة على الطرف المسيحي. توسعت هذه الحركة الاعتراضية لتشمل الرئيس الشهيد رفيق الحريري وزعيم "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط. ازدادت حركية فرنجية، ومعه قرنة شهوان ومن انضوى تحت رايتها. أتى التمديد وبدأ العهد الأسود بمحاولة اغتيال مروان حمادة. اغتيل الرئيس الحريري في 14 شباط 2005. انتفض سمير فرنجية على الظلم وتحول صمته، صوتاً مدوياً، يهتف للحرية في ساحات الحرية.

من الـ2005 إلى اليوم، لم يكن سوى صورة السياسي الملتزم القضية، والمدافع عنها في شتى المجالات. دخل المجلس النيابي في ظل أكثرية نيابية، صنعت واللبنانيين ثورة الأرز. لم يتسن له أن يلعب دوره كما كان يأمل، فالمجلس عندما تحرر نواب أكثريته من عبء الاغتيالات الذي كان يلاحقهم، أقفل أبوابه أمام التشريع، وشرع أبواب الوطن على كل الاحتمالات وأسوئها. فما كان منه إلا أن وقف مع الدولة ومؤسساتها بوجه كل من ساورته نفسه بأن يكون هو الدولة من خارج مؤسساتها.

برأي النائب اكرم شهيب، أن "سمير فرنجية حيث هو في موقع نيابي أو غير نيابي، من كبار مفكري ومحركي ثورة الأرز، شامخ برأيه وبكلمته الحرة"، وشهيب الذي رافق فرنجية في انتفاضة الاستقلال، يدرك جيداً معنى أن تغوص في معركة تحرر من "النظام" الأسود الذي حكم لبنان طيلة 30 عاماً. وأن تدخل إلى البرلمان أو لم تدخله فالحال واحدة لأن المبادئ تبقى كما هي مهما تغيرت الظروف والأحوال.
ولهذا، يقول عضو اللقاء الديموقراطي: "هناك كثر من الذين دخلوا المجلس النيابي وكثر من الذين لم يدخلوا المجلس، لا صوت لهم ولا موقع ولا كلمة، وهناك كثر خارجه على مستوى عال من التحرر والوعي لقيمة الوطن وسيادته، ولهم القدرة على التأثير في مصير ومستقبل هذا الوطن، انطلاقاً من نظرتهم المتميزة هذه، وسمير فرنجية واحد من هؤلاء، يؤثر أينما كان موقعه".

ويضيف: "سمير فرنجية كنسيب لحود والياس عطا الله ومصطفى علوش وانطوان اندراوس وانطوان غانم ومصباح الأحدب وغيرهم كثر، قامات وطنية، منهم من قضى اغتيالاً من هذا النظام الحاقد على لبنان ومنهم من اختار الانكفاء عن البرلمان ومنهم من نأمل أنه سيدخل حتى لو لم يكن على لائحة 14 آذار، كلهم قامات نعتز بها، وبتضحياتها".
يختم شهيب بالقول: "سمير فرنجية لا مقعد يغيّر عقله ولا موقع يغير رأيه".
في 7 حزيران تنتهي خدمة سمير فرنجية في ساحة النجمة، ولكن المؤكد أن خدمته للوطن مستمرة والأرجح أنها ستكون أفعل.

Exit mobile version