عند رصيف الأمل !
… ولكن لقد طال مكوث الزبد في هذا البلد التاعس، واما ما ينفع الناس يا سيد، في هذه الارض الممزقة والمجروحة، فإنه بلا ريب على استئخار سيطول. فيا لمرارة السخرية!
كثيرون من اللبنانيين، امتدادا من عكار والبقاع الى صور والصرفند مرورا بالعاصمة الغارقة في دوي الخواء، قرأوا امس كلام الرئيس حسين الحسيني عن قرار خروجه من المستنقع المتعاظم في أسن السياسة وزيف التمثيل العام في كثير من الدوائر "الانتخابية"، التي تخرج من قوالب المحاصصات والتقاسم، وتركيب القبعات على الرؤوس الحافية، وقفز الارانب العرجاء والعمياء من اكمام السحرة هنا وهناك.
***
نعم، هذه ليست انتخابات، لا قانونا ولا فعلا. وبالتأكيد بدا الترشح لهذه المسرحية المرسومة مثل دوائر على الورق وفي غرف الوشوشة وتسوية الحسابات وراء جدران مغلقة، وإن تكن من زجاج، بدا هذا الترشح في غير محله، على الاقل لان مشروع السياسة عند اناس مثل حسين الحسيني هو الجد والكد في صومعة الوطن، لا عراضة في مساحات الصخب وذر الرماد في العيون يمينا ويسارا.
واذا كان مشروع السيد لا يقوم، كما قال، على احتكار التمثيل العام او تزييفه، ولا على احلال الشخص او الحزب محل الجماعة او الوطن، فان الزمن الانتخابي في بعض فصوله ودوائره وتسوياته وبورصاته، ليس زمن الوطن ولا زمن المشاريع الوطنية، بل هو زمن السوق وما فيها من اوزان واحجام، حيث تتقدم بلادة الارقام وحسابات الصناديق وتفاهة المال على رهافة الحس الوطني وحسابات ترسيخ قواعد البناء الحقيقي للوحدة اللبنانية في كيانية الجغرافيا وامانة التاريخ وقدسية الهوية وعظمة الدور ومعنى القيمة الانسانية… أولم يكتشف نسيب لحود هذا الامر فقفز باكرا من السفينة؟
ولان المسألة ليست مسألة هذا الشخص او الحزب بل هي مسألة شعب يستحق الحياة ومسألة رسالة وطنية ورسالة انسانية، فان الحسيني الذي اختار، ومن الجيد انه اختار، ان يقفز من "السفينة الحامولة"، الى رصيف الميناء حيث التأمل والاغتسال استعدادا لاطلاق اشرعة الامل المضيئة بحثا عن التغيير والتطوير… ان الحسيني لن يقف وحيدا على الرصيف.
اولا لان الرصيف ليس من حجارة بل من اناس لبنانيين ما انفكوا عن القول منذ ثلاثة عقود ونيف:
هذه ليست انتخابات بل انها مسخرة المساخر. وهذه محنة متمادية تحتاج الى ثورة دستورية مدنية تعيد الى الشعب حقه في فرض التمثيل العام عبر قانون انتخاب لا يعود الى العصر الحجري، على ما نحن فيه الآن. كما تعيد الى السلطة صدقيتها ونظافتها فتقيم لها قاعدة المراقبة والحسابات، لتصبح السياسة مسؤولية لا وجاهة واسترزاقا وما هو ادهى من الاسترزاق.
***
على الرصيف اياه سيجد الحسيني اخيارا أمثاله، اختاروا ان يقفزوا من السفينة لانهم يريدون تغيير اتجاهات الرحلة وتصويب اهدافها، واكثر من ذلك يطمحون الى تنقية المياه وفقش الموج لإعادة التآلف والدور الى هذا الوطن الشاطئ الذي عبث فيه وعليه قراصنة كثر.
سيجد الاستاذ نسيب لحود عاكفا على إعداد اشرعة مشروعه الوطني بلا يأس او كلل. سيجد سمير فرنجيه ايضا واقفا يتأمل في اليمّ، وفي تغيير تيارات الماء، وبالتأكيد ستتجه افكار الجميع الى السياسي والمثقف اللامع جان عبيد، يحاول اختراق خط السفينة امام ارخبيل الصخور، محاولا في ما بعد ان ينفخ في ابواقه البرلمانية: هنا الميناء الذي يجب ان تأوي اليه سفن الوطن وسط تقاطع العواصف الهائجة والمتقاطعة فوق لبنان. وتعالوا، من هنا ينبعث ضوء المنارة!