التنافس محصور في عشر دوائر و80 بالمائة من مرشحي <البوسطات> أصبحوا نواباً
القوى السياسية أمام استحقاق تثبيت الاستقرار الأمني والسياسي بعد الانتهاء من الانتخابات
<رغم الظواهر السيئة والمعيبة للعملية الديمقراطية فإن كل المؤشرات تؤكد أن الانتخابات في بلدنا كذبة كبرى>
طغت أجواء الانتخابات النيابية على جميع العناوين الأخرى الداهمة بقوة على لبنان، فقد جرت العادة أن التنافس الانتخابي يشد العصبيات السياسية والعائلية والحزبية وأحياناً الطائفية والمذهبية، لتكون في الواجهة، فمن مصلحة السياسيين والمرشحين اللجوء في زمن الانتخابات إلى تحريك وإثارة <العصبيات> المتنوعة، وفي بعض الحالات تثار العصبيات بين الأخ وأخيه على خلفية الترشح والتنافس على مقعد نيابي معيّن، وفي هذا الإطار برزت اكثر من حالة تنافس بين الأخوة، ففي انتخابات سابقة لم يتورّع أحدهم عن القول حول ترشح شقيقه <والدتي عندما خلفته هل استشارتني؟>، وفي الدورة الحالية نجح أحد المرشحين للصعود الى احدى <البوسطات> الانتخابية مضمونة النتائج قبل إجراء عملية التصويت ليحل مكان شقيقه في ذات البوسطة بعد عملية التفاف سرية واتصالات غير معلنة مع أصحاب <البوسطة> الانتخابية من غير علم شقيقه النائب الحالي، فكادت عملية <الصعود> هذه أن تفجّر خلافاً يُطيح بمعاني الأخوّة بين المرشح الجديد والنائب الحالي عمرها أكثر من ستين سنة.
وما يلفت الانتباه بشدة في الدورة الحالية للانتخابات النيابية أن ركاب <البوسطات> لغاية الآن أصبح عددهم يفوق المائة راكب، ويعني ذلك أن هؤلاء باتوا نواباً منذ الآن، والتنافس في جميع الدوائر الانتخابية المتبقية يدور حول 20 مقعداً نيابياً فقط.
والذي يشدّ انتباه المراقبين في هذه الدورة هو عدم بروز <شكليات> ومظاهر الانتخابات في جميع الدوائر التي تتحكم فيها مراكز القوى السياسية والطائفية، فغابت صور المرشحين (وهذا ليس التزاماً بقانون الانتخابات الذي ينظم الإعلان الانتخابي، وإنما لانتفاء ظاهرة التنافس) وغابت المسيرات الانتخابية للمرشحين وأزلامهم وأنصارهم، وغابت معها أيضاً <الولائم> الانتخابية، وقبل كل ذلك في دوائر <البوسطات> جميع الذين حجزوا أماكن مضمونة في هذه <الحافلات> أداروا ظهورهم للناخبين منذ الآن، فلا نشاطات ولا زيارات ولا وعود.
إضافة إلى ما سبق فإن ما يُعيب العملية الانتخابية أن قوى 8 آذار و14 آذار ممن طرحوا برامج عامة، لم يُفصحوا عن توجه واضح وحقيقي لإلغاء القانون الانتخابي الحالي، الذي يعتمد قاعدة النظام الأكثري والذي يُكرّس <البوسطات> الانتخابية، ومن ثم الانتقال إلى نظام <النسبية> الذي يُتيح لأي شريحة ناخبة أن تتمثل في مجلس النواب.
على العموم، فإن ما يلفت الانتباه أكثر انشداد المواطنين إلى هذه العصبيات الانتخابية رغم كل الظواهر السيئة والمعيبة للعملية الديمقراطية، فهذه الانتخابات تشير بقوة إلى أن الانتخابات في بلدنا كذبة كبرى، نعم كذبة كبرى وليست صغرى!.
بالأمس سحب الرئيس حسين الحسيني ترشيحه، وهو الذي مثّل دائرة بعلبك – الهرمل في مجلس النواب منذ العام 1972، وله رصيده الشعبي والسياسي المميز في دائرته وفي كل لبنان، والرئيس الحسيني عندما سحب ترشحه لم يكن تعففاً وإنما لرفضه قانون الانتخابات الحالي وإجراءات العملية الانتخابية، وكذلك لخشيته من الخسارة المهينة في حال ترأس لائحة منافسة.
التنافس الحقيقي في هذه الدورة بات محصوراً في عدد من الدوائر وهي (وفقاً لتراتبية حدة التنافس): بيروت الأولى، المتن الشمالي، جبيل، الكورة، البترون، بعبدا، البقاع الأوسط، البقاع الغربي، كسروان وصيدا.
يتردد في بعض الأوساط أن الانتخابات مرشحة للتأجيل، وفي هذا الإطار رأى مصدر سياسي عدم صحة ما يتردد ويُشاع، فالتأجيل لا يعني إلغاء الانتخابات، ومن جهة ثانية من لديه القدرة من الأطراف المحلية على إلغاء الانتخابات (مراكز القوى) أصبحت كتلهم النيابية معروفة العدد لديهم، ولذلك ما يتردد حول تأجيل الانتخابات كلام في غير محله، فالانتخابات هي استكمال لاتفاق الدوحة، وجميع القوى السياسية اللبنانية ملتزمة بهذا الاتفاق، وكذلك الأطراف العربية الضامنة لاتفاق الدوحة ما زالت تشجع على اجراء الانتخابات وبهدوء كامل، ولذلك تعمل القوى السياسية على إزالة بعض العراقيل أو الشوائب من امام دوائر <التوافق> وتحديداً في دائرة بيروت الثانية.
فإلى جانب القوى السياسية اللبنانية الملتزمة باتفاق الدوحة، وكذلك الانتخابات وأمنها، هناك الدور الرئيسي للحكم وهو الرئيس ميشال سليمان، وهو يجهد لتجسيد دور الحَكَم بين القوى السياسية المختلفة، كما يسعى إلى استعادة الدور الحقيقي لرئاسة الجمهورية الذي تآكل في زمن الحرب الأهلية.
على العموم، فإن الأهم من الانتخابات هو المرحلة المقبلة التي تلي إجراء الانتخابات، وهي مرحلة تثبيت الاستقرار الأمني والسياسي والاجتماعي، لذلك فإن كافة القوى السياسية أمام امتحان كبير سيبدأ فور تشكيل مجلس النواب الجديد للشروع بعملية إنقاذ للبلد، وهي مهمة أكبر بكثير من الانتخابات وتداعياتها.