أربع سنوات على "حلم" الانسحاب السوري.. والاستقلال اللبناني
"الدبلوماسية" السورية "تعيد انتشارها" في لبنان
اربع سنوات مرت على انسحاب الجيش السوري من لبنان، وأقل من ستة أشهرمرت على التبادل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا.
حدثان استقلاليان بإمتياز. الاول يرفع وزر وجود جيش أجنبي فوق ألاراضي اللبنانية والثاني يشكل اعترافا" بإستقلال لبنان دولة سيدة بعدما كانت الانظمة السورية المتعاقبة وآخرها نظام حزب البعث المديد لا تتقبل فكرة انسلاخ لبنان الجغرافيا والفكرة عن بلاد الشام الكبرى. وانسحاب الجيش السوري جنودا وآليات وإخلاءه مراكزه العسكرية لا يعني بالضرورة كف يد سلطة الوصاية عن لبنان، فهذه بعد ثلاثين عاما" من التدخل اليومي في الحياة السياسية اللبنانية تركت أذرعا" وأيدي بإمكانها التدخل والتاثير والتقرير في مجريات السياسة في لبنان. الانسحاب اشر لمرحلة جديدة تسبغ حياة اللبنانيين .مرحلة بدأوها في شباط العام2005، حين أعلنوا ان وجود الجيش السوري على الاراضي اللبنانية ليس قدرا، وهو لو كان قدرا فلا بد من ان يتبدل. وقد تبدل فعليا بعدما رفع اللبنانيون أصواتهم عاليا رافضين المثول لهذا القدر الذي فرض عليهم مرة بإرادتهم ومرات بالضد من هذه الارادة.
اللبنانيون حين انتفضوا في 14 آذار من العام 2005 لم تكن انتفاضتهم وليدة اللحظة السياسية التاريخية والمباغتة والمتمثلة بجريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. هم كانوا واعين لخطورة الاستمرار تحت ظل "نظام الوصاية" الامر الذي كان يدفع بلادهم الى حال التشابه مع نظام البعث السوري، ان على صعيد النظام المخابراتي- الامني او على الصعد الاقتصادية والثقافية او في استخدام لبنان كرأس حربة لمشاريع إقليمية تتداخل مع الصراع العربي الاسرائيلي. كانت ترتفع من بينهم أصوات كثيرة تطالب بالحرية والسيادة والاستقلال، ولم يكن خافيا على أحد ان "نظام الوصاية" يعمل ما في وسعه لتعطيل مشروع الرئيس الشهيد الاقتصادي والسياسي الساعي الى استعادة مركزية دور لبنان في المنطقة.
كثيرة هي الدلالات التي تحال على تبادل السفراء وإقامة السفارات بين لبنان وسورية. اولها ان لبنان باتت دولة ذات سيادة بعرف النظام السوري ولو كان ذلك على الصعيد الدبلوماسي فقط من دون أن يكون له مفاعيل سياسية فعلية. لكن الدبلوماسية حتى لو كانت ظاهرية خير من اعتبار لبنان قطرا سوريا، على طريقة "اضاءة شمعة خير من لعن الظلام". ثاني هذه الدلالات ان الشعب اللبناني لا يستكين لواقع الحال، وانه يملك من أسباب الحياة والتحرّرما يجعله يستحق التبجيل.
في موازة هذه الدلالات هناك ما يجعل التبادل الدبلوماسي أمرا غير ذي جدوى فعليا قبل ترسيم الحدود، وتحرير مزارع شبعا، وانهاء ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، والفصائل اللبنانية والفلسطينية المأتمرة مباشرة بالاوامر السورية فوق الاراضي اللبنانية، والمجلس الاعلى اللبناني السوري. في هذه المواضيع أطلق الرئيس السوري بشار الأسد مواقف مختلفة في موازاة المؤتمر الذي عقد في دمشق حول العلاقات اللبنانية ـ السورية. وهو وان إعترف بالأخطاء التي ارتكبها نظامه في لبنان ,الا انه رأى ومن دون اي مبرر أن بقاء المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري هو لمصلحة لبنان،لأن سورية هي الأقوى. ثم زاد ما يشي بإنهاء ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية ولكن على الطريقة السورية بقصره عدد الموقوفين في سجونها على 15 شخصا متهمين بالتعامل مع إسرائيل،علما" أن اللائحة التي قدمتها الحكومة اللبنانية للسلطات السورية تضم اسماء لـ800 مفقود بالتأكيد لم يتعامل أغلبهم مع إسرائيل.معظم هؤلاء المعتقلين اعتقلوا في فترات مختلفة, أبرزها مرحلة الدخول السوري الى لبنان في العام 1976 ومحاربة هذا الدخول من قبل أحزاب "الحركة الوطنية" الامر نفسه الذي أدى الى إغتيال رئيس تلك الحركة كمال جنبلاط. وهذا من دون الاتيان على موضوع ترسيم الحدود الذي بدوره يكرس الاعتراف السوري بسيادة لبنان ويحدد هوية مزارع شبعا المحتلة والتي على أساسها تحدد الطرق والسبل التي يجب اتباعها لتحريرها ومدى الدور اللبناني في ذلك.
العلاقات الدبلوماسية بين البلدين خطوة أساسية على طريق إرساء ما يسمى مجازا "الاخوة"، لكن هذه الدبلوماسية لا ترسي علاقات "أخوية" حقيقة وندية اذا لم تنتج مفاعيل على الارض، ومنها عدا ترسيم الحدود وانهاء قضية المعتقلين ووقف التدخل المادي والسياسي بلبنان، اعادة النظر بالاتفاقيات والمعاهدات الموقعة بين لبنان وسوريا في ظل السيطرة السورية على لبنان، بما يكفل التعادل والتساوي بين البلدين في "الحقوق" و"الواجبات" وعلى رأس هذه التعديلات الغاء المجلس الاعلى اللبناني ـ السوري، لانه من بقايا التسلّط السوري على لبنان ولأنه لا حاجة له في وجود السفارتين،ولأنه يرسي علاقة مشوهة بين بلدين جارين يفترض ان كلاهما يتمتع بالاستقلال.
منذ استقلال سورية ولبنان عن فرنسا في العام 1943 شهدت العلاقة بين البلدين مواقف أكثرها مرّ ومرتبط بنوعية الأنظمة المتعاقبة على الحكم في سورية وصورة لبنان في عقلية هذه الانظمة التي وعلى اختلافها لم تستوعب استقلال الجار القريب. في العام 1949 قام حسني الزعيم بأول انقلاب في سوريا تدهورت على إثره العلاقة مع لبنان، وبلغ سوء العلاقات ذروته أثناء أحداث العام 1958.
وبعد حرب حزيران عام 1967 وعقب بدء توافد فصائل المقاومة الفلسطينية الى لبنان عاد التدخل السياسي السوري في لبنان ,حتى بلغ ذروته عام 1976 بدخول القوات السورية وتمركزها فوق الاراضي اللبنانية منذ ذلك الحين حتى تاريخ انسحابها قبل اربع سنوات في 26 نيسان 2005.
بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1991 وقع لبنان وسورية معاهدة صداقة وتعاون سياسي واقتصادي وأمني. سميت معاهدة "الاخوة والتنسيق" ومن نتائج هذه الاتفاقية انشاء المجلس الاعلى السوري للبناني الذي منح دور مراقبة تطبيق الاتفاقيات بين البلدين. تم توقيع المعاهدة في 22 أيار 1991، وفي اطارها تم تحديد العديد من الأهداف والغايات وعليه تم إنشاء المجلس الاعلى السوري_اللبناني الذي يتألف من رئيسي الجمهورية في كل من الدولتين، ورئيس مجلس الشعب، ورئيس مجلس الوزراء ونائب رئيس مجلس الوزراء في الجمهورية السورية ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء ونائب رئيس مجلس الوزراء في الجمهورية اللبنانية.
ويضع المجلس السياسة العامة للتنسيق والتعاون بين الدولتين في المجالات كافة (السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها) .وهو ايضا" يشرف على تنفيذها، كما يعتمد الخطط والقرارات التي تتخذها "هيئة المتابعة والتنسيق" و" لجنة الشؤون الخارجية" و" لجنة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية" و"لجنة شؤون الدفاع والأمن".
وقد نصت المعاهدة على إلزامية قرارات المجلس الأعلى في إطار النظم الدستورية في كل من البلدين. كما يحدد المواضيع التي يحق للجان المختصة اتخاذ قرارات فيها تكتسب صفة التنفيذية بمجرد صدورها عنها وذلك وفقاً للنظم والأصول الدستورية في كل من البلدين أو في ما لا يتعارض مع هذه النظم والأصول.
في العام 2005 إنسحب الجيش السوري من لبنان بعد انتفاضة الشعب اللبناني في 14 آذار من ذلك العام، وقد ساهمت الضغوط الدولية وصدور القرار 1559 عن مجلس الامن بتعجيل هذا الانسحاب.وفي 14 تشرين الاول من العام الماضي أعلن الرئيس السوري بشار الأسد إقامة علاقات دبلوماسية على مستوى سفارة مع لبنان
مراكز الجيش السوري
كانت مراكز الجيش السوري التي يمر عليها اللبنانيون في طريقهم نحو الجنوب توحي بأن وجود هذا الجيش مؤقت في لبنان، او يمكن القول انها كانت توحي بأن هذا الجيش بجنوده وعتادهم وآلياتهم على اهبة الاستعداد للعودة الى سورية. كل ما في تلك المراكز كان مبنيا على عجل. مبنيا ليرتاح فيه الجنود لعدة ايام بعد نزهة بعيدة ثم يكملون سيرهم في النزهة الى مكان آخر. المراكز التي ينام فيها الجنود ويركنون امامها شاحناتهم الروسية القديمة والمدهونة بطلاء المنازل والمكتوبة ارقامها بخط اليد .شاحنات تحمل شعارات تعلن وفاء الجيش او الجنود افراد وفيالقا للقائد الاسد، الاب ومن بعده الابن. الحاجز التابع للمركز مؤلف من غرفة صغيرة مرسوم على جدرانها العلمين الفلسطيني (علم حزب البعث) والسوري، يقف فيها جنديان كل من جهة، او مرسوم عليها صورة الرئيس حافظ الاسد وابنيه بشار وباسل وثلاثتهم يلبسون النظارات الشمسية، ومكتوب تحت صورهم شعار: "الى الابد، سورية الاسد". شبابيك المراكز المقفلة بالنايلون او بالكرتون، وابوابها المركبة على عجل من دون ان تكون بالقياس المحدد، عري الجدران من قشرة الاسمنت ومن الطلاء ايضا. سحنة الجنود التي تبديهم متبرمين دوما،ومتعجلين من اجل القيام بأمر ما. نحول اجسامهم الظاهر من اتساع ملابسهم وبروز عظام الوجنتين، السجائر التي في ايديهم يمجونها مجا متعجلا، حتى يشعلوا غيرها حين تقترب من فلترها. البنادق الاوتوماتيكية القديمة المحمولة فوق الاكتاف او المركونة في زاوية الحاجز العسكري. الخوة التي يتقاضاها عناصر الحاجز بالملابس المدنية من الشاحنات الذاهبة جنوبا محملة بالبضائع مقابل عدم تفتيشها، السرية والسرعة في تقديم هذه الخوة من قبل سائقي الشاحنات، وتلقفها السريع والسري من قبل عناصر الحاجز بلباسهم المدني. اعتياد اللبنانيين الراكبين في سياراتهم على وجود الحاجز وتمهلهم امامه من اجل القاء التحية على الجندي الذي يتأمل الركاب واحدا تلو الاخر، وينظر الى ما بين الاقدام مشيرا بيده للسائق بالتقدم، فيما يستدعي السيارة التالية بالاشارة نفسها من دون ان ينبس بأي كلمة او بأي اشارة على وجهه ومن دون ان يرد على التحية بمثلها. كل تلك المظاهر كانت تشعر ان وجود الجيش السوري في لبنان مؤقت، او ربما كانت اسقاط رغبة على تلك المظاهر. لكن هذا لا يعني اني كنت اتوقع انسحاب الجيش السوري من لبنان بين فينة وأخرى. في السياسة كان واضحا" ان الجيش السوري باق في لبنان الى ما شاء الله، وكانت "الادارة السورية" تركز وجودها بواسطة حلفائها الذين تسلطوا على اللبنانين ردحا" من الزمن. واذا ما وقعت جريمة اغتيال الرئيس الشهيد البشعة، وانتفض اللبنانيون، وخرج الجيش السوري من لبنان، فإن مفاعيل هذا الخروج لم تغير شيئا في اوضاع البلاد.
العمال السوريون اثناء انسحاب جيشهم وبعده
في فترة من فترات تواجد الجيش السوري واجهزة مخابراته في لبنان، اندفع العمال السوريون الى لبنان من اجل العمل في مجالات كثيرة قيل ان اللبنانيين لا يعملون فيها، او يأنفون العمل فيها. وكان لفرق القيمة بين "الدولار اللبناني" والليرة السورية دورا في تقاضي هؤلاء العمال اجورا اقل بكثير من الاجور التي يطلبها اللبناني كي يتمكن من العيش بشكل طبيعي في لبنان. ارباب العمل لم يكن يعنيهم كثيرا اذا اشتغل اللبناني ام لم يشتغل، بالنسبة اليهم التوفير امر اساسي. من وقت الى آخر كان المطارنة الموارنة يرفعون صوتهم انما ليس عاليا"،ويحذرون من مغبة بطالة اللبنانيين التي تسببها الايدي العاملة الرخيصة القادمة من سورية. كان المطارنة الموارنة يحذرون من هذا الامر لسبب رئيسي يقلقهم منذ زمن بعيد، وهو هجرة الشباب اللبناني عموما والمسيحي خصوصا. هذه الهجرة التي تنقص عدد المسيحيين في لبنان وتخسّرهم اصحاب الكفاءات وتؤدي الى تغيير ديموغرافي واجتماعي في صفوف اللبنانيين الذين ارتضوا ان يتعايشوا طوائف ومذاهب كمثال مبهر للعالم في امكان تعايش الطوائف. لكن معاهدات الاخوة والصداقة لم تكن لتعير هذا الامر اي اهمية. لبنان كان تحت الوصاية السورية، وهو لذلك كان سوقا للبضائع السورية الزهيدة الثمن، ومركزا لعمل العمال السوريين الذين يخرجون الاموال منه الى سورية. حتى انه اشيع في فترة من الفترات ان عدد العمال السوريين بلغ المليون في لبنان وانهم يخرجون من لبنان شهريا ما يقارب المئة مليون دولار.بالطبع هذه الارقام مبالغ فيها ولكنها كانت تدل على مدى تأثير تزايد العمال السوريين في لبنان على اللبنانيين.
كان المطارنة الموارنة يتنبهون الى خطورة العمالة الوافدة على اوضاع اللبنانيين،وكانوا يقومون بهذا العمل وحدهم لان السياسيين المسيحيين الذين قد يقولون كلاما كهذا كانوا ممنوعين من ذلك، اللهم، الا ما كان يخطب به نسيب لحود وبطرس حرب في المجلس النيابي وما يكتبه الشهيدان جبران تويني وسمير قصير في صحيفة النهار، وذلك كله بسبب من الوصاية السورية نفسها، وبناء على معاهدات الاخوة والصداقة، والشعب الواحد في البلدين، ووحدة المصير والمسار، الشعارات التي اكتسحت سوق الشعارات في تلك الفترة.
من مظاهر التسلط السوري في لبنان
كان التسلط السوري على لبنان يبرز اكثر ما يبرز في سحنات السياسيين اللبنانيين في ذلك الزمن، على اختلاف درجاتهم وتزعمّهم وقوتهم بين جمهورهم.كان هؤلاء في زمن الوصاية السورية المتمادية والمتطاولة يظهرون انواعا عديدة من الخضوع. فمنهم على سبيل المثال من كان يشارك في كل احتفال يقام في مناسبة "بعثية" سواء كان ذلك من اجل تأبين الرئيس حافظ الاسد او ابنه باسل في ذكراهما السنوية، او في ذكرى الحركة "التصحيحية"، او في ذكرى حرب تشرين. كان السياسيون اللبنانيون يشاركون في هذه الاحتفالات جميعها وعلى اختلاف انواعها، سواء كانت محلية في بلدة ما او مركزية في قاعة كبرى او في ساحة ملعب. البعض الآخر من السياسيين لم يكن ليكف عن مديح النظام السوري في مقابلة تلفزيونية او صحافية. وكان هذا النوع من المادحين يملكون رزمة من الشعارات والمداخلات الجاهزة والتي يكررونها دوما، وجميعها تصب في اطار الاخوة ومصلحة لبنان من الوجود السوري فيه، ووحدة المسار والمصير، والعروبة والمعركة الابدية مع اسرائيل، وغيرها من الشعارات الرنانة، وكانوا حين يلقون ما في حوزتهم من آراء حول العلاقة اللبنانية ـ السورية، يتصنعون صورة من الخشوع والرهبة مما يتكلمون عنه.
جزء من السياسيين المفوهين، كان يتكفل بمهاجمة السياسية الاميركية التي تريد ضرب فريق الممانعة في المنطقة، اي الفريق الذي يرفض اقامة السلام مع اسرائيل ويدعو الى المقاومة من جنوب لبنان من دون الجولان، بالطبع. وجميعهم كانوا يتلقون تعليماتهم من رئيس جهاز الامن والاستطلاع القابع في عنجر. انسحب الجيش السوري من لبنان، فبقي بعض هؤلاء السياسيين يقوم بدوره كما لو ان شيئا لم يحصل في 14 شباط 2005.
فيديل سبيتي