المعركة الأصلية في ذكراها!
ما تناقلته وسائل الاعلام عن كلام للنائب محمد رعد في شأن وصفه "سلطة" 14 آذار بأنها جزء من "مشروع عدواني" سقط رمزاه الاميركي والاسرائيلي وبات تاليا سقوط هذه السلطة وشيكا في الانتخابات، لا يشكل جديدا مفاجئا فعليا في اطار "الاقتناعات" سوى استعادة خطاب لـ"حزب الله" كان سائدا قبل اتفاق الدوحة وتوقف بعده وها هو يستنهض مفرداته القتالية والتخوينية على وقع "الحوربة" الانتخابية.
ولأن النائب رعد ليس مسؤولا عاديا في "حزب الله" بل هو رئيس كتلته النيابية وممثل الامين العام للحزب في جلسات حوار بعبدا، فضلا عن كونه أحد أبرز "صقور" التعبير السياسي لدى الحزب، فان مواقفه المتدرجة صعودا في الآونة الاخيرة تعكس اضطلاعه بدور مركزي في اطلاق الرسائل والاشارات المبكرة حيال المرحلة الانتخابية وما يليها ويعقبها اعتبارا من فجر 8 حزيران. وفي هذا الاطار لا بد من تسليط الضوء على الجوانب الايجابية "لمكاشفات" شفافة وصريحة كهذه لانها تزيل الغمامة عن غموض كثيف يحوط بمرحلة ما بعد الانتخابات.
فمن الواضح تماما ان "حزب الله" يلتقي من حيث أراد وقصد او لم يرد ويقصد مع قوى 14 آذار في اعتبار الانتخابات اكثر من مصيرية. هي مواجهة كبرى بين مشروعين، بدليل التركيز الطارئ في خطاب الحزب، عبر النائب رعد وسواه، على أهمية القبض على ناصية غالبية جديدة في مجلس النواب تسقط مفاعيل كل السنوات الاربع السابقة. هذا التعبير الواضح لا يترك أدنى شك في أن حصول قوى 8 آذار على غالبية ولو بمقعد واحد يعني انها مقبلة على نقل لبنان الى عصر آخر مختلف اختلافا جذريا عما سبق. وفي المعايير الدستورية والديموقراطية الطبيعية، فان التغيير هو أمر ملازم وبديهي لكل انتخابات، لكن مع قوى 8 آذار الامر يتعلق بالشكوك العميقة حيال التزامها دستور الطائف وركائز النظام الليبرالي، وعدم الجنوح الى سياسات انقلابية صرفة تشي مواقف الكثير من رموزها بالتخطيط لها منذ ما قبل تسوية الدوحة.
الامر الايجابي الآخر يتصل باتفاق الدوحة نفسه. اذ يمكن اعتبار كلام النائب رعد قبل ايام عن ضرورة "تغيير الموجة" السائدة منذ أربع سنوات اقرارا ضمنيا بأن اتفاق الدوحة كان اتفاقا مرحليا تنتهي مفاعيله في يوم 7 حزيران. هذا الاتجاه يناقض واقعيا ما دأب الحزب على تكراره، من نية الى تثبيت تسوية الدوحة. والحزب يوحي الآن انه تجاوز هذا السقف ويطمح الى مزيد، بمعنى اقامة سلطة 8 آذار الصرفة في حال فوزها بالغالبية. ويعتبر هذا التطور بالغ الاهمية في الاضاءة على حقيقة النيات السياسية لدى رافعة قوى 8 آذار الاساسية وعمودها الفقري.
|
العامل الايجابي الثالث يتمثل في الصدمة الكبرى التي تثيرها مكاشفة كهذه لدى الخصوم الذين يغرق معظمهم في زواريب العائلات والاجباب والحسابات الانتخابية الضيقة الى حد السهو والتغافل عن الطابع السياسي الجسيم للمعركة. ففي خطاب "حزب الله" الكثير من "شد العصب" لقواعده. لكن مفعول الصدمة في كشف الاتجاهات التي تثير المخاوف من ايحاءات انقلابية سيشكل "شد عصب" مقابلا لدى قوى 14 آذار وقواعدها. مثل هذا "الاستفزاز" السياسي من الطراز الرفيع يعيد المعركة الى "مذاقها" المحترم واللائق بالصفة المصيرية. ولتكن مقارعة على مستوى مصيري حقيقي ما دامت هذه المكاشفة تأتي في "العيد" الرابع للاستقلال الثاني الفعلي، ذكرى الانسحاب السوري من لبنان. ولعلها مفارقة ذات دلالات تتجاوز الاطار الرمزي، ان تتزامن هذه الذكرى السيادية الكبرى مع اعادة الاعتبار بالكامل الى المعركة السياسية الاصلية والمواجهة الحقيقية الدائرة منذ عام 2005 بانتخابات وبلا انتخابات وعند كل مفصل وتطور، كبيرا كان أم هامشيا.