#adsense

لبنان في عين العاصفة… ولكن؟!

حجم الخط

لبنان في عين العاصفة… ولكن؟!
وزيرة الخارجية الأميركية فجأة في بيروت.
وزيرتان فرنسيتان تزوران لبنان خلال أقل من عشرة أيام.

وزراء وموفدون، وفود نيابية واقتصادية أميركية وأوروبية وآسيوية تتزاحم على زيارة الوطن الصغير، خلال فترة زمنية قياسية.
عواصم القرار العربية والإقليمية تفتح أبوابها أمام الرئيس اللبناني: من دمشق والقاهرة والرياض، إلى طهران وأنقرة، وبالأمس باريس وغداً لندن، وقبلهما نيويورك منبر المجتمع الدولي، ومقرّ الأمم المتحدة.

حركة سياسية ودبلوماسية لافتة، لا تدل على حجم الاهتمام الخارجي بالوضع اللبناني وحسب، ولكن أيضاً تُنبئ مثل هذه الزيارات المتسارعة بدقة المرحلة التي تجتازها المنطقة، وارتفاع منسوب المخاطر المحيطة بها، خاصة بعد ظهور المزيد من السحب الداكنة مع عودة نتانياهو وحليفه الأصولي المتطرّف ليبرمان إلى الحكم في الدولة العبرية.

ويبدو واضحاً أن موجة التفاؤل بتحقيق انفراجات في ملفات الشرق الأوسط الملتهبة والمعقدة، إثر انتخاب الرئيس الأميركي باراك أوباما، قد تبددت بسرعة أمام مناخات التشدّد والتطرّف، وما تفرزه من تصاعد عمليات العنف والإرهاب مجدداً، مما يُنذر بإعادة أكثر من ملف إلى المربّع الأول!

* * *
سارع رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير خارجيته العنصري إلى إقفال أبواب المفاوضات مع الفلسطينيين ومع السوريين، وختمها بالشمع الأحمر، من دون الالتفات إلى جهود الإدارة الأميركية الجديدة، ومبعوث الرئيس الأميركي الخاص بالشرق الأوسط، لتحريك عملية السلام وإحياء مشروع الدولتين الذي أقرته اللجنة الرباعية، ووافقت عليه الحكومة الإسرائيلية السابقة.

وكشفت الحكومة الإسرائيلية عن نواياها العدوانية بصفاقة عندما ربطت حصول أي تقدّم في التفاوض مع الفلسطينيين، بما يمكن أن يتحقق من تقدّم في معالجة الملف النووي الإيراني، وذلك من دون أن يُكلّف الوزير المتعصب ليبرمان نفسه عناء تقديم أي تفسير مُقنع، أو حتى غير مُقنع! عن أسباب ربط الحل الفلسطيني مع الملف الإيراني.

ولكن هذا الموقف الإسرائيلي المُستهجَن يعني بكل بساطة ممارسة أسوأ أساليب الابتزاز والضغط على الإدارة الأميركية التي تستعجل تحقيق انفراجات معقولة في أزمات المنطقة تُعيد الهيبة وبعض المصداقية إلى السياسة الأميركية في المنطقة.
أما بالنسبة إلى التفاوض مع سوريا، فقد فاجأ ليبرمان الوسيط التركي رفض استئناف المفاوضات مع دمشق، قبل أن تتولي سوريا نزع سلاح حزب الله في لبنان!!

وهذا الشرط التعجيزي يؤكد تهرّب الحكومة الإسرائيلية من التزام التفاوض مع دمشق، وعدم استعداد التحالف المتطرّف الحاكم حالياً في تل أبيب في الانسحاب من هضبة الجولان، كما تعهد أولمرت وسلفه الأسبق إسحاق رابين.

* * *
أما في الملف الفلسطيني، فليس ما يُشير إلى إمكانية تحقيق تقدّم في المفاوضات الفلسطينية التي استؤنفت في القاهرة، من شأنه أن يساعد على رأب الصدع بين فتح وحماس، ويُعيد القضية إلى إطارها الوطني الصحيح، تمهيداً لإطلاق ورشة إعادة إعمار غزة من جهة، واستعداداً لمواجهة مخططات حكومة نتانياهو الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية، وعدم السماح بقيام مشروع الدويلة في الضفة والقطاع.

ورغم ان القيادات الفلسطينية تسمع طبول الحرب التي يقرعها نتانياهو وليبرمان لإشعال المنطقة من جديد، تحت ستار توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، فإن هذه القيادات ما زالت عاجزة عن مغادرة خلافاتها، والعمل على تحصين الوضع الفلسطيني ضد تداعيات أية مغامرة عسكرية تُخطّط لها الحكومة الإسرائيلية الحالية!

* * *
أما في العراق، فإن عودة موجة العنف الأعمى إلى بغداد وجوارها أجهضت كل الآمال التي لاحت في الأفق العراقي، بعد انحسار أعمال التفجير والقتل في الأشهر الماضية، وأثبتت الموجة الجديدة من الحقد الأسود أن الوضع العراقي ما زال هشاً، وهو أسير الصراعات الإقليمية والدولية، خاصة بعد الدخول الايراني القوي على الساحة العراقية، والتباينات الحاصلة بين بغداد وطهران حول بعض القضايا الحساسة!.

* * *
والسُحب الإيرانية الداكنة لا تقف عند حدود العراق، بل تنتشر في المنطقة، خاصة في المحاور الساخنة، لتُشكّل مواقع دفاع للمفاوض الإيراني في الملف النووي، خاصة بعد الاستعداد الأميركي للدخول على خط التفاوض مع طهران.

ولكن يبدو أن زمن التفاوض مع طهران لن يطول هذه المرّة، ولن يبقى متفلتاً من قيود تحديد المُهل، الأمر الذي يُرجّح نظرية المتشائمين باحتمال توجيه ضربة عسكرية موجعة لإيران في حال بقيت على مواقفها الحالية، وذلك تحت إلحاح الفريق الإسرائيلي المتطرّف من جهة، ونفاد صبر المجتمع الدولي من المناورات الإيرانية من جهة ثانية.

* * *
ويبقى السؤال: أين لبنان من كل هذه المخاطر المحدقة بدول المنطقة وشعوبها..؟
ليس جديداً القول إن لبنان موجود حالياً في عين العاصفة التي تُزمجر حالياً في سماء المنطقة، وذلك لعدة أسباب، نكتفي بتعداد أهمها:
الوضع الداخلي الهش في ظل استمرار الانقسامات الداخلية.

عدم توافق الأطراف الفاعلة في الحوار على صيغة معقولة للاستراتيجية الدفاعية، الأمر الذي يُبقي قرار الحرب خارج أيدي الشرعية الدستورية•
الإبقاء على الوطن الصغير ساحة مفتوحة أمام الصراعات الإقليمية والدولية، خاصة بعد بروز النفوذ الإيراني على حساب مواقع النفوذ العربية التقليدية في لبنان.
عدم تمكين الرئيس التوافقي ميشال سليمان من تحقيق الانطلاقة الموعودة لعهده، بما يمكّنه من تحصين الوضع الداخلي من أية تداعيات إقليمية مفاجئة، قد تؤدي مضاعفاتها إلى ما لا تُحمد عقباه على الساحة اللبنانية.

يُضاف إلى كل ذلك، أن عودة التوتر إلى الخطاب السياسي عشية دخول البلاد مدار الانتخابات النيابية، واللجوء من جديد إلى ادعاءات التخوين والارتباط بالخارج، والضرب على وتر العصبيات الطائفية والمذهبية والمناطقية، كل ذلك من شأنه أن يُضاعف الخسائر على الوضع اللبناني، عند أول اهتزاز جدّي تتعرّض له الحالة الإقليمية الواقفة حالياً على حافة الانفجار!.

فهل يخرج ساسة لبنان من حساباتهم الضيّقة والسخيفة، ويتداركوا وضع البلد بصيغة توافقية وطنية قادرة على تحصين الوطن وأهله من تداعيات ومخاطر العاصفة المحدقة بالمنطقة… والابتعاد في هذه اللحظة التاريخية عن الأنانيات والمزايدات، التي سبق لها وخرّبت البلد؟!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل