#adsense

أبعد من فصام الشخصية

حجم الخط

أبعد من فصام الشخصية

استهجان كلام النائب عن "حزب الله" ورئيس كتلته النيابية محمد رعد غير مبرر لا جملة ولا تفصيلاً. وتفاجؤ منتقديه بتخوينه الأكثرية النيابية والشعبية "يفاجع" الموقنين بأن "حزب الله" واحد مهما تقلب في أدواره، ومهما داهن في أقواله، ودلَّس في أفعاله.
وإذا كان بعض أصحاب الإرادات الطيبة ظنَّ لوهلة أن كلام رعد ورهطه عن التمسك بالدولة، والحرص على التهدئة، وإجراء الانتخابات، هو موقف راسخ، فإن طيبتهم تكون أقرب إلى السذاجة منها إلى الفطنة.

فالحزب الذي عامل بيروت كما كان يمكن أن يعامل اي مستوطنة اسرائيلية، متلطياً بمجموعات من الهامشيين والطفيليين، واعتدى على الآمنين في الجبل بمنطق غزو ديار الأعداء، وسعى إلى سلب الناس قرارهم الحر بقوة سلاح المقاومة، لم يخجل يومها من تبرير اعتدائه الشامل على الحسّ الديموقراطي والسلم الأهلي، بزعم رد مؤامرة صهيونية تنفذها الحكومة ضده.

يومها صوّر الحزب نفسه أنه هو السلطة الشرعية التي يحق لها مد شبكة هاتف خاصة بها، بينما الحكومة الحائزة ثقة مجلس نواب منتخب من الشعب اللبناني، هي الجهة اللاشرعية، التي تعتدي على حقه بطلبها وقف التمديدات.

حال تذكر بمرض فصام الشخصية، على مستوى الافراد، لكنها أخطر من ذلك، كون الجهة التي تعيشها، تمارسها بوعي كامل: تدعو إلى قيام دولة قوية، وتقوّض أسس الدولة كل يوم. تحكي عن ضرورة تجنب التوتر الأهلي، ولا يشتمل خطابها إلا على تعابير فئوية ومذهبية وتخوينية وتمييزية. يكشف فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي شبكتي تجسس لإسرائيل، فتتهمه بالتبعية لقوى 14 آذار. تنفق الأموال لاستحضار المغتربين من جمهورها وجمهور حلفائها، وتحجز لهم في الفنادق، وتطلق ألسنتها السليطة بتهم الرشى الانتخابية على خصومها السياسيين.

تخوض الانتخابات النيابية ليس تسليماً بنتائجها بل كديكور سياسي، إذ تتمسك بالثلث المعطل الذي يفقد النتائج كل معنى ديموقراطي، وتهدد بـ7 أيار جديد إذا لم تحصل عليه. تخرق سيادة دولة شقيقة هي مصر بحجة دعم "حماس" في غزة، ولا تشرح لماذا لا تعمد إلى ايصال السلاح إلى أهالي الجولان الواقعين تحت الاحتلال الاسرائيلي منذ ما يزيد على 30 سنة. تستقرب غزة وتجد الجولان قصيَّة. ترفض البحث الديبلوماسي عن حل لمزارع شبعا، ولا تحرك لسانها لتعجل بكلمة عن المفاوضات السورية – الاسرائيلية في الحضن التركي. تشارك في السلطة منذ التسعينات وتغسل يديها من الدين العام، وهي التي كانت مرة في موقع المراقب المشرع ومرات في مواقع السلطة التنفيذية. يدير حلفاؤها أبرز مزاريب المال العام، وتبكي على تدهور المالية العامة. تحول وحلفاءها النقابات العمالية دكاكين سياسية رديفة وتتأوّه ألماً على أوضاع العمال. تتبهور بقدرتها على إعادة إعمار ما هدمته "حرب لو كنت أعلم"، وتترك الدولة والدول العربية المانحة تضمد جروح اللبنانيين. تتبجح بالمال الطاهر وتحرم من لا يسلّم قياده لها من أي معونة، حتى تلك الآتية من الهيئة العليا للإغاثة، عبر مجلس الجنوب الشهير.

لكن كل ذلك لا علاقة له بفصام الشخصية، بل هو التورية أو الباطنية التي تسمح للحزب بأن ينكر تبعيته لايران. على رغم تصريح أمينه العام بأنه يؤمن بولاية الفقيه، بكل أبعادها. وهو في الأمرين صادق، لأن المؤمن بهذه الولاية ليس عميلاً أو حليفاً، بل هو جزء منها. كذلك الأمر، في إدعاء الحرص على الكيان اللبناني والمشاركة في الحياة السياسية في لبنان، فذلك ليس لتعزيزها بل من أجل تعجيل الوصول بها إلى عصر الجمهورية الإسلامية.

ما قاله النائب رعد لن يناقش اليوم على طاولة الحوار في بعبدا. لن يطرح خصومه الموضوع، ولا هو مستعد للنقاش فيه. والهدف منه تحقيق: تذكير الخصوم بالنيات المبيتة، ثم نفيه. وحين يأتي مساء 8 حزيران وتبقى الأكثرية أكثرية، سيكون حجة "أعذر من أنذر" زرعت ضمناً في النفوس، وأن قرار إلغاء الآخر وحقه متخذ قبل أن يقر قانون الانتخاب العليل نفسه.

فخيار الحزب، ويتبعه حلفاؤه، هو بين السيطرة على السلطة عبر الانتخابات فيحول شرعيته الذاتية شرعية عامة بوسيلة شرعية، وإما يفرضها بقوة السلاح والثلث المعطّل.
وفي الحالين، فإن قوى 14 آذار مدعوة إلى الفوز بالغالبية لتمنع إلغاءها، وتسقط قناع الديموقراطية الذي انتحله خصومها.
وفي كل حال، يجب ألا يخيف السلاح المرتد إلى الداخل المؤمنين بالديموقراطية. فلطالما نجح اللاعنف في إسقاط العنف الأعمى، ولطالما أوجد السلم الاهلي سلامته بعناد المؤمنين به، وهم كثر… ويتزايدون، حتى بين جمهور من يعانده.

المصدر:
النهار

خبر عاجل