#adsense

زيارة “الاعتدال والعدل”

حجم الخط

زيارة "الاعتدال والعدل"

ليس في الأمر أي مفاجأة. كانت المفاجأة ستكتمل وتتخذ وجها سلبيا، لو أن وزيرة الخارجية الاميركية زارت المنطقة مرة ثانية، من دون أن تقصد لبنان الذي يشكل محطة حساسة سبق ان دُفعت دفعا لتكون حلبة مواجهة بين واشنطن وتحالف دول وقوى الممانعة، وخصوصا الآن بعد ظهور ملامح التغيير الذي حملته ادارة باراك أوباما الى البيت الابيض.

ليست العبرة في الوقت الذي استغرقته هذه الزيارة بل في المحطتين اللتين اختيرتا لها، أي زيارة الرئيس ميشال سليمان وتسليمه رسالة خطية من أوباما وعقد خلوة مطولة معه، وزيارة ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي بات يمثل محجة رمزية لانتفاضة الاستقلال و"ثورة الارز" في ساحة الحرية يؤمها اللبنانيون وزوّار لبنان.

❒❒❒

من خلال ما قيل في خلال زيارة هيلاري كلينتون لقصر بعبدا، ثم من خلال الكلمات التي دونتها في الكتاب عند الضريح، يمكن القول ان أبرز ما في هذه الزيارة المهمة انها كانت لتأكيد تمسك الادارة الاميركية الجديدة بأمرين أساسيين يهمان اللبنانيين.
الاعتدال والعدل. واضح أنها كانت زيارة الحض على الاعتدال وتأكيد الدعم الاميركي له، كما كانت زيارة التمسك بالعدل والاصرار على إظهار الحقيقة وقيام العدالة ومنع الافلات من العقاب.
كيف؟
في قراءة دقيقة لعناصر زيارة كلينتون الى الرئيس سليمان، يمكن أن نلاحظ ان رسالة أوباما اليه، لم تتوقف عند تأكيد الدعم الاميركي لسيادة لبنان واستقلاله ومسيرة الاستقرار فيه فحسب، بل أثنت ايضا على خطوات سليمان وحرصه على قيادة البلاد نحو الاستقرار والحفاظ على الوحدة وانتهاج خط الاعتدال مع الجميع.

كذلك كررت كلينتون في مؤتمرها الصحافي الاشارة ثلاث مرات الى أهمية الاعتدال. فبعدما دعت الى انتخابات حرة ونزيهة وعادلة، ومن دون أي تدخلات خارجية، أكدت ان واشنطن والمجتمع الدولي يدعمان أصوات الاعتدال في لبنان والمؤسسات الرسمية التي يعمل الاعتدال لبنائها.
وعندما سئلت كيف ستتعامل الادارة الاميركية مع حكومة لبنانية جديدة اذا فازت المعارضة و"حزب الله" في الانتخابات، أعربت عن أملها بأن تأتي نتائج الانتخابات في "اتجاه موقف معتدل وإيجابي".

أما عندما سئلت اذا كانت واشنطن ستعيد النظر في التعاون مع الجيش في حال فوز "حزب الله" او حلفاء سوريا في الانتخابات، فقد قالت:
"قد يكون من المفاجئ لكم ان تسمعوا انه في رأيي ان الاعتدال مهم في شؤون الدولة، لأنه يعطي الشعب الذي ينتمي الى مختلف العقائد والخلفيات فرصة للمشاركة. وهذا يعود الى الشعب اللبناني. ونحن نتطلع الى العمل والتعاون مع الحكومة اللبنانية الجديدة".

إذاً الكلام واضح ومفهوم. فالاعتدال الذي قد يرى البعض انه يمثل "الوسطية"، بمعنى بناء جسر ما بين 14 آذار و8 آذار، يدعم الرئيس سليمان ويقود البلاد للخروج من مواقع التوتر والتأجيج، وقد عدنا قبل أيام الى سماع كلام الادانة والالغاء والخوف خلافا للاتفاق في الدوحة. هذا الاعتدال يمثل في نظر الكثيرين من اللبنانيين قبل "تشريف" السيدة كلينتون، الخط الملائم لا بل الضروري، لقيام الدولة القوية والقادرة، التي يلتف حولها الجميع، وخصوصا وفي هذه المرحلة الدقيقة من اعادة خلط الاوراق في المنطقة.

❒❒❒

في ضوء ما يمكن ان يحصل بين واشنطن وطهران، وبين واشنطن ودمشق، وبين دمشق وتل أبيب، وبين طهران ودمشق، وكذلك في ضوء التطورات الدراماتيكية العاصفة في باكستان وأفغانستان والى حد بعيد في العراق وانعكاس هذا على وتيرة الحرارة بين أميركا وايران، يصبح مفهوما ان الاعتدال يمكن ان يشكل ملاذا للجميع.

هذا في ما يتعلق بالوضع الداخلي، اما في ما يتصل باستعداد الادارة الاميركية لتحريك عجلة التسوية في الشرق الاوسط على أساس مبدأ الدولتين والمبادرة العربية للسلام، فلم يكن من الطبيعي ان يتم التطرق في خلال محادثات أوباما مع الملك عبد الله الثاني الى "المسار اللبناني" الذي سبق ان أشير اليه في واشنطن تكرارا وان يصل جورج ميتشل الى بيروت في حزيران المقبل مباشرة بعد الانتخابات، من دون ان تفكر وزيرة الخارجية في زيارة بيروت وقد جاءت مرة ثانية الى المنطقة.

❒❒❒

ولأن الديبلوماسية الاميركية دقيقة وتهتم بكل التفاصيل والفواصل، ولأن كلينتون أرادت ان تقصر زيارتها على محطتين "محطة الاعتدال" و"محطة العدل"، فقد كان لافتا جدا وملائما جدا، أن تصل الى ضريح رفيق الحريري مرتدية ثيابا زرقاء تماما مثل اللون الذي اختير لشعار "الحقيقة من اجل لبنان"، وبذلك يقوم تكامل بين المظهر والجوهر. ذلك الجوهر الذي تمثل في ما كتبته امام النائب سعد الحريري من: "ان الذين قتلوا رفيق الحريري لم يقتلوا حلمه في لبنان حرا سيدا مستقلا ومزدهرا ولن يتمكنوا من ذلك أبدا. وان حياته وتراثه سيستمران في إلهام الناس في كل مكان".
ان هذا الكلام يكتسب أهمية بارزة لجهة تأكيد استمرار دعم المحكمة الدولية ووظيفتها الاساسية بانهاء سياسة الافلات من العقاب.

المصدر:
النهار

خبر عاجل