إعلام معارض "ينكش في النار" ويتحدّى القوانين!
"الدراما" مفتعلة… ودوره القاضي والمتّهِم
يشبه الوضع "النكش في النار". وتصر وسائل اعلام، خصوصا تلك التي تحمل لواء المعارضة والمعارضين، على هذا النهج كل يوم، وتمعن فيه، في شيء من التحدّي لكل الضوابط والمبادئ والاخلاق الاعلامية. والمؤكد ان اعلان رئيس هيئة الاشراف على الحملة الانتخابية القاضي غسان ابو علوان السبت الماضي "الاتفاق مع وسائل الاعلام على التزام نهج الاعتدال والتهدئة، وهو بمثابة ميثاق شرف تعهدت به"، خُنِق قبل ان تغيب الشمس يومها، بعدما رد عليه بعض هذه الوسائل بعد ساعات قليلة فحسب، بالتمسك بالنبرة والاسلوب نفسيهما في ادائها الاعلامي.
المعركة مستمرة ومستعرة. هذا ما تؤكده وسائل اعلام، بحيث توقع كل يوم نشراتها الاخبارية وتقاريرها الصحافية وبرامجها السياسية بمخالفات فاضحة للقوانين المرعية: قانون تنظيم البث الاذاعي والتلفزيوني 382/94، قانون الانتخاب. واقل ما يمكن قوله عن هذه المخالفات انها مقصودة ومدروسة ومخطط لها، وليس كما يدّعي بعضهم انه لا يدري اين يخطئ، والقانون ليس واضحا.
والدليل بكل بساطة المنحى الواضح في اعداد النشرات والتقارير الصحافية، والذهاب كل يوم الى اطلاق اتهامات والمواقف المتعالية وابراز الرأي الواحد، لا بل وجه الفريق الواحد، وتلفيق الاخبار احيانا بلا اي رادع، وادعاء امتلاك المعرفة والحق والحقيقة!
إهانات وتطاول: كل شيء مسموح!
يكفي رصد يومي لوسائل اعلام لتبيان هذا المنحى الخطير الذاهب الى التفاقم، وذلك باسم الحرية. واي حرية اعلامية هذه عندما تنتهك حرية الآخرين، كأن شيئا لم يكن؟ اول ملاحظة هي ان هناك تفاوتا بين اعلام المعارضين واعلام الموالين، وحتى هناك تفاوت بين اعلام المعارضين انفسهم. وفي وقت تعرف احدى وسائل الاعلام المعارضة كيف تلعب لعبة الرأيين ووجهتي النظر، وتدوزن مضمون نشراتها وبرامجها السياسية الى حد ما، تفتح اخرى الباب على الرأي الآخر عندما يروقها الامر، وثالثة تمنع اي رأي آخر سوى رأي فريقها هي، واي صور اخرى سوى صور فريقها.
في بعض اعلام المعارضين، كأن كل شيء مسموح به: الاهانات، التطاول على المقامات، الهزء، السخرية، التوصيف غير اللائق، التجريح، التلفيق، ادعاء امتلاك الحق المطلق ومعرفة الحقيقة، التخوين، إلصاق الاتهامات بلا اي رادع او ضمير، الازدراء، الشماتة، التهكم. كل هذا باسم الحرية! واذا اعترض احدهم، فالويل له والثبور وعظائم الأمور. وتلصق به اشنع النعوت… باسم الحرية!
من وجوه بعض المقدمين، تُعرف هوية المحطة، لسوء الحظ. ما ان تنتهي المقدمة الموسيقية، حتى يطل مقدم او مقدمة لبس قناع العبوس والجدية والازدراء. احدهم يوحي دائما انه "قرفان"… واذا ابتسم قليلا، فليسخر. يجلس بشيء من الفخر والاعتزاز، كأنه يقول في نفسه "لحسن الحظ انا هنا"، ويتلو مقدمة سياسية بمثابة اطروحة تعبّر عن موقف المحطة من هذا الفريق او ذاك، يتّهم، يقدم الحقائق التي يريدها، يؤكد بثقة، "يلعب" بنبرة صوته كممثل بارع في مسرحية، ويضيف هنا وهناك "بهارات" تليق بالموقف بالطبع، ولا يسكت الا ليضيف المزيد. يؤدي "الدور" ببراعة، بحيث يبدد اداؤه اي شك في انه لا يقول الا الحقيقة.
تعابير بعض الوجوه تتشابه الى حد بعيد: "نحن دائما على حق… ولا نخطئ… الآخرون كاذبون". الاسطوانة نفسها تتكرر كل يوم، ويتجدد الأداء المسرحي نفسه، لإقناع المشاهدين بالطبع. وللاسف لا يغذي اعلام المعارضين ناره المتأججة الا برفع نبرة التهديد والشتائم والتخوين، والتحدي… خشية ان تفلت عليه "وحوشه" التي صنعها… ولا يعود هناك سبب لوجوده. فيأخذ على عاتقه "النكش في النار" كل يوم، غير عابئ بالثمن، باسم الحرية ايضا.
واذا كانت المادة 68 من قانون الانتخاب توجب على "وسائل الاعلام احترام حرية التعبير عن مختلف الآراء والتيارات الفكرية في برامجها خلال فترة الحملة الانتخابية (…) والامتناع عن التشهير او القدح او الذم والتجريح باي من اللوائح او المرشحين"، فان بعض الاعلام المعارض يحرص كل يوم على خرق هذه المادة في شكل فاضح، مع انها واضحة وضوح الشمس. ولعله "اللؤم الاعلامي"، منعا لاستخدام تعبير آخر، هو الذي يشرح سلوك بعض الاعلام المعارض.
"إعلام الأحكام المسبقة"
وتأتي نشراته على شاكلة وجوه بعض مقدميها: التقارير موجهة ترتكز غالبيتها على الرأي الواحد، والاتهامات العلنية "بلا اي دليل او اثبات" عنصر يومي. قبل ايام قليلة، لم يتوان احد المراسلين عن ذكر اسم شخص، خلال تغطية مباشرة لأحداث ميدانية، اتهمه بالوقوف وراء افتعال المشكلة! هكذا قرر هو. لم يقدم دليلا سوى كلمته هو! أين الرأي الآخر؟ ذهب ليقدم تعازيه بالحرية.
أيضاً، هناك عنصر الاستهزاء و"اختراع" النعوت المسيئة الى الآخرين. في الاسابيع الماضية، اثبت بعض الاعلام المعارض براعته في هذا المجال، بينما بقي بعض الاعلام الموالي متحفظًا عن استخدام تعابير غير لائقة. كيف يفسر بعض الاعلام المعارض هذا اسلوبه؟ بقلة احتراف؟ عقدة نقص او قلة ثقة بالنفس؟ هل لانه يخشى ان يخسر الفريق الذي يمثله رصيده الشعبي؟ في كل الاحوال، يبقى هذا الاسلوب، ليس مسيئا الى الفريق الآخر المهاجَم فحسب، انما الى الاعلام ذاته، لانه يبين الدرك الذي بلغه.
للاسف، تخلى بعض هذا الاعلام عن دور المربي الوطني الشامل، ليحصر نفسه في بقعته الصغيرة، في كيانه الخاص، باسلوب تخاطبي اقل ما ينتج منه اعتبار المتلقين ان هذا الاسلوب مقبول ولائق، وبالتالي يصير السائد في الحياة اليومية والاجتماعية. وللاسف ان هذا الاعلام يصير الحاكم والقاضي والمتهم، واحيانا كثيرة الجزّار. "نستنكر دور بعض وسائل الاعلام في إصدار أحكام مسبقة قبل انتهاء التحقيقات الجارية، ونتمنى ترك الموضوع للقضاء، ليصدر أحكامه العادلة"، جاء في بيان لاهالي بلدة جنوبية طاولت ابناءها اخيرا "اتهامات وتجنيات" اعلامية عليهم.
بين الليونة والحزم
هذه "الدراما" الاعلامية ليست قريبة من الانتهاء. بل يتوقع ان تشتد حدتها كلما اقترب موعد الانتخابات النيابية بعد نحو 5 اسابيع. ومع ان السلطات المعنية تبدي حذرا وترويا في التعاطي والمخالفات الاعلامية المستشرية والمستفحلة باسم الحرية في اكثر من محطة، مثل وباء "انفلونزا الخنازير"، فان اصرار بعض الاعلام المعارض على هذا الأداء الاعلامي يأخذ السلطات، ولاسيما هيئة الاشراف على الحملة الانتخابية، الى حلبة التحدي واثبات الوجود.
حيال هذا الواقع، تجد الهيئة نفسها امام خيارين: اما اتخاذ تدابير قانونية "جدية وحازمة" في حق المحطات المخالفة، واما التعامل بليونة مع هذه المخالفات، وابقاء الامور قيد المعالجة في اتصالات هنا، او قيد البحث في اجتماعات هناك، على غرار اجتماع السبت الذي لم تعره المحطات اي اعتبار، لعلّ الامور تهدأ. غير ان مراقبين يستبعدون ان يعتمد هذا الاعلام المعارض لغة الهدوء والاحترام التي تفرضها المبادئ الاعلامية، ويتوقعون اشتداد هدير تلك المحطات "المخالفة" مع اقتراب موعد الانتخابات، ولجوئها الى خانة الضحية، في حال اتخذ تدبير قانوني بحقها، مع ما يستتبعه ذلك من تحريك شارعها.
من السابعة والنصف مساء الى التاسعة مساء كل يوم، تتفتح بعض الشاشات على واقع اعلامي، اقل ما يقال فيه انه مؤسف ومخيب ومؤلم، والاكثر انه يستخف بعقول اللبنانيين، ولم يتجاوز بعد سن الرشد الذي يخوّله التعاطي بكبر واحترام مع نفسه ومتلقيه.
هالة حمصي