الصوت المسيحي في البقاع الغربي ـ راشيا سيختلف عن دورة 2005
راشيا ـ عارف مغامس
يشكل الناخب المسيحي في قضاءي البقاع الغربي وراشيا عامل تجاذب كبيراً بين لائحتي 8 و14 آذار، حيث العيون شاخصة على إستمالة أكثر من عشرة آلاف ناخب مسيحي من المتوقع أن يشاركوا في الإنتخابات النيابية المقبلة وفق التقديرات التي يتوقعها المراقبون والمتابعون من أصل نحو ثلاثين ألف ناخب، تبعاً للوائح الشطب التي صدرت مؤخرا ًعن وزارة الداخلية والبلديات.
ولا تنفصل المعركة في قضاءي راشيا والبقاع الغربي عن المعارك التي يخوضها فريقا 8 و14 آذار في كثير من الدوائر المختلطة كما الحال في أقضية زحلة وبعبدا وعالية والشوف، حيث يتأثر الناخب المسيحي في هذه الدوائر بمنسوب الخطاب السياسي والموقف من بعض العناوين التي يتم على أساسها صياغة برنامج المرحلة التي سوف تلي الاستحقاق الإنتخابي، للفريق الفائز في قصب السباق على مستوى الدائرة الانتخابية وعلى مستوى الوطن ضمن فريق الأكثرية المقبلة.
وليس من المبالغة في شيء القول أن الناخب المسيحي في هذه الدائرة قد انجذب في العام 2005 إلى طروحات رئيس "تكتل التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون ومواقفه التي خاض الإنتخابات على أساسها في معظم الدوائر التي يتواجد فيها الناخب المسيحي المؤثر في مجرى العملية الإنتخابية فجاءت النتائج على مستوى ذلك المنسوب العالي من الخطاب الذي دغدغ الجمهور المسيحي، خاصة بعد تشكل ما كان يسمى بالحلف الرباعي، الذي فرض تعاطفا ً كبيرا ً مع النائب ميشال عون إستفادت منه لائحة "المرجعية البقاعية" التي خسرت إنتخابات 2005 بفارق كبير وصل إلى حوالي عشرة ألاف صوت، فيما لم تحصل لائحة 14 آذار آنذاك سوى على أقل من الفي صوت مسيحي من أصل تسعة آلاف، ما طرح علامات إستفهام كبرى واجهت النواب الفائزين عن تلك الدائرة.
وليس خافياً أن الناخب المسيحي في تلك الدائرة تأثر بارتدادات المرحلة السابقة والتي امتدت على مدى أكثر من ستة عشر عاماً في ظل الوجود السوري وفي ظل غياب عمل الأحزاب السياسية والبرامج وظروف المعركة الحقيقية، حيث جاءت تجربة 2005 نموذجاً مختلفاً للسائد والموروث لم يتفاعل معه الناخب المسيحي تبعاً لمعطيات كثيرة وفي طليعتها الحلف الرباعي، وعدم الثقة بإمكانية التحول على المستوى السياسي والإنمائي والخدماتي.
الناخب المسيحي اليوم يقف أمام خيارات كبرى متأملاً، ناقداً مراقباً، يجري مقارنات بين الحقبة السابقة في ظل الوجود السوري وبين السنوات الأربع التي شارفت على الإنتهاء في ظل المجلس الحالي حيث يرى مراقبون أن ثمة إنفتاحاً كبيراً من المرجعيات المسيحية من رجال دين ورؤساء بلديات ومخاتير وفعاليات وعائلات على معظم النواب الحاليين إن كان على المستوى الخدماتي والإنمائي فضلاً عن عشرات المشاريع التي قدمت إلى تلك القرى أو على مستوى الخطاب السياسي لقوى 14 آذار في العناوين الكبرى لجهة قيام الدولة والمؤسسات وبسط سلطة الجيش ومسألة السلاح غير الشرعي والتنظيمات المسلحة والعلاقات اللبنانية السورية التي يجب أن تكون ندية وصحيحة وبعيدة عن الهيمنة والوصاية.
وتلفت مصادر سياسية مطلعة الى أن الاستحقاق المقبل سيضع الناخب المسيحي أمام مسؤولية تاريخية كبرى لجهة الخيار السياسي، خاصة في ما يتعلق بمفهوم الدولة والكيان والمصير، على إعتبار أن فرادة الصوت المسيحي أنه يحاسب في صندوقة الإقتراع وهذا ما فعلته الأصوات المسيحية في العام 2005 في معظم صناديق الإقتراع في البقاع الغربي وراشيا، إن كان للقوى المسيحية المتمثلة بالقوات اللبنانية وبحزب الكتائب أو حتى للشخصيات المستقلة أو المنتمية إلى الكتل النيابية الكبيرة، وتساءلت تلك المصادر هل سيحاسب مسيحيو البقاع الغربي وراشيا كما سائر المسيحيين في لبنان النائب ميشال عون على مسار عمله السياسي منذ العام 2005 حتى اليوم في ما يتعلق بالطروحات المناهضة للسيادة والاستقلال من خلال إسهامه في تعطيل إنتخاب رئيس الجمهورية ومشاركته العلنية في قطع الطرقات وإحراق الدواليب في أحداث 23 كانون الثاني أو ما يعرف بالخميس الأسود أو في مشاركته في مخيم التعطيل في ساحة رياض الصلح والتي شلت إقتصاد البلد وعطلت عمل المؤسسات أو في تغطية أحداث السابع من أيار العام الفائت أو في زيارته لسوريا وإعطاء صك براءة للنظام السوري عن كل موبقاته في لبنان وبالتالي التخلي عن قضية المفقودين والمعتقلين في السجون السورية، أو في نسج تفاهمات تشرع السلاح الذي إرتد في السابع من أيار إلى الداخل اللبناني.
ويرى المصدر أن أخطر ما يقلق المسيحيين ويدفعهم إلى التأمل في خياراتهم محاولة النائب ميشال عون تغطية بدعة المثالثة التي يصر بعض من في قوى الثامن من آذار على تمريرها، ما يعني نسف إتفاق الطائف الذي تتمسك به قوى الرابع عشر من آذار القائم على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وليست بدعة الثلث المعطل التي يصر عليها "حزب الله" وتكتل العماد عون سوى مقدمة لتكريس تلك الصيغة التي تنسف مبدأ المناصفة وفق المصدر المطلع، وبالتالي هناك تحد واضح لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان برز واضحاً في تعطيل الثلاث عشرات في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية والتي كانت مكسباً مسيحياً وبالتحديد لقوة موقع رئيس الجمهورية، يضاف إلى ذلك الهجوم المنظم الذي يشنه تكتل التغيير والإصلاح ورئيسه على المرشحين المستقلين والذين يشكلون تعزيزاً نوعياً لموقع رئاسة الجمهورية خاصة في ظل هذا الاصطفاف الحاد بين فريقي 8 و14 آذار.
انّ الصراع اليوم بين ذهنيتين ونمطين في العمل السياسي والإنمائي والخدماتي على مستوى المرشحين ففي حين يترشح النائب السابق إيلي الفرزلي على لائحة قوى الثامن من آذار فهو يرتبط سياسيا بالنهج الذي ساد طيلة الوجود السوري في لبنان، وترى أوساط أنه يشكل رأس حربة للدفاع عن النهج القديم في العمل السياسي والذي كان مرتبطاً بظروف تلك المرحلة وبتعليمات عنجر ورغم ما يشاع عن إختراقات في لائحة الكرامة فالناخب المسيحي لن يوليه الثقة بالحجم الذي توفر له في العام 2005، والناخب السني الذي كان متيقظاً ومرهف السمع لكل كلمة قالها النائب سعد الحريري في مهرجان إعلان لائحة الكرامة من جب جنين، خاصة حين قال يظنون أن خدعهم ستنطلي عليكم، وأنه يكفي أن يتظاهروا أنهم كانوا من أصدقاء الرئيس الشهيد، وهم كانوا بالفعل وزراء النظام الذي إغتاله وشهود الزور في محكمة إعدامه، وأي صديق يفرح لقتل صديقه، أي صديق يتعامل مع القتلة يستجدي نظام الوصاية أن يعود مرة جديدة إلى هذه الأرض الأبية، تماماً كما وقف على منصة 8 آذار شاكراً مودعاً بالدموع، وهذا الأمر لا يلغي حيثيته في بعض القرى كون التحالف القائم مع أحزاب "القومي" و"البعث" و"حزب الله" و"حركة أمل" و"التيار الوطني الحر" وأنصار مراد والداوود يؤمن له قوة ناخبة لا يستهان بها في المعركةالمقبلة. أما المرشح في لائحة الكرامة النائب في اللقاء الديمقراطي أنطوان سعد فهو يشكل نموذجا مغايراً في العمل السياسي والإنمائي وفق المصدر نفسه، على إعتبار أنه أبن المؤسسة العسكرية التي أنجبت ميشال سليمان رئيسا ً للجمهورية وهو بالتالي شهابي الهوى وكان صديقاً للرئيس الشهيد رفيق الحريري حيث كان من الضباط الذين حازوا ثقته ومودته يوم كان رئيسا ً لمجلس الوزراء، واعتبر المصدر أن لوقوفه إلى جانب النائب سعد الحريري على منصة إعلان اللائحة في جب جنين دلالة سياسية كبيرة لجهة ما يشاع عن إختراقات في اللائحة حيث تشيع أوساط الفرزلي ان ثمة صداقات له مع بعض مناصري وكوادر "تيار المستقبل"، الأمر الذي تنفيه نفياً قاطعا معظم قيادات تيار المستقبل في المنطقة، وسعد على علاقة صداقة وإحترام وتقدير من رئيس "اللقاء الديمقراطي" النائب وليد جنبلاط وهو مرشحه إلى جانب وزير الدولة لشؤون مجلس النواب وائل أبو فاعور الذي وصفه المصدر بأنه المرشح العابر لكل الطوائف نتيجة مسلكيته السياسية والخدماتية على مدى السنوات الأربع التي أوشكت على الانتهاء، ونتيجة شبكة علاقاته الواسعة التي نسجها مع معظم المرجعيات البقاعية، خاصة في الوسط المسيحي الذي رأى فيه نموذج العيش الواحد والشخصية الإستثنائية في العمل السياسي والإجتماعي. ويضيف المصدر أن النائب سعد يعمل بصمت ومواقفه السياسية واضحة في الإنحياز إلى الدولة وإلى الشرعية وعمل المؤسسات خاصة المؤسسة العسكرية التي خدم فيها 40 سنة وفي مراكز حساسة جداً.
أما في ما يتعلق بالمرشح عن المقعد الماروني النائب السابق هنري شديد فلفت المصدر أن تبنيه من قبل النائب ميشال عون جاء بعد إشكالات كبيرة حيث طرح عون مرشحاً ينتمي إلى التيار الوطني الحر ولكن رفض من النائبين السابقين عبد الرحيم مراد وإيلي الفرزلي ما دفع بالنائب عون إلى تبني شديد وتجري محاولات ومساع حثيثة لإقناع جمهور "التيار الوطني الحر" به على إعتبار أن شديد ترشح في معظم الدورات السابقة بعد الطائف وله حيثية في بعض القرى، إلا أن النائب الحالي روبير إسكندر غانم فاز في معظم تلك الجولات وله حيثيته الشعبية في القرى المسيحية وغير المسيحية وحقق فارقاً عن شديد في العام 2005 تجاوز 10 آلاف صوت، وهو مقرب من معظم أحزاب وقوى 14 آذار وعضو في كتلة المستقبل النيابية.
ثمة رغبة كبيرة لمعرفة الخيار المسيحي في راشيا والبقاع الغربي وبعد أقل من شهر ونصف سيحدد الناخب المسيحي خياراته، والعيون الشاخصة إلى المعركة تتساءل هل بالفعل هناك محاسبة حقيقية يتميز بها الناخب المسيحي؟ وأي لبنان يريد المسيحيون؟.