يرضى القتيل وليس يرضى القاتل
…. "الهمروجة".. نعم، الهمروجة التي رافقت اطلاق سراح الضباط الاربعة وصلت الى حد الوقاحة، خصوصاً انها كانت استغلالاً رخيصاً المراد منه التهجم على السياسيين وعلى القضاء، وتصريحات بعض فريق الثامن من آذار جاءت لتؤكد النيات المبيتة، وهي خبيثة في مجملها.
في المقابل، جاء كلام رئيس "تيار المستقبل" الشيخ سعد الحريري هادئاً وموضوعياً مكرراً انه يرضى بكل ما يصدر عن المحكمة الدولية، لانه على ثقة تامة بأن الحقيقة ستظهر مهما طال الزمن، وأن قرار قاضي الإجراءات التمهيدية بإطلاق سراح الضباط الاربعة يثبت بما لا يدع أي مجال للشك ان المحكمة الدولية غير مسيّسة، وهي حيادية في مطلق الأحوال.
إذ ومنذ اغتيال الرئيس الشهيد الكبير رفيق الحريري والطلب بإنشاء محكمة دولية بدأت عملية الهجوم المضاد برفض إنشاء محكمة لمحاكمة المجرمين الذين خططوا والذين نفذوا عملية الاغتيال، ويوم تم الطلب من الامم المتحدة بإرسال لجنة تحقيق ارتفعت الأصوات ضد هذا الطلب من اولئك الذين لا مصلحة لهم في ذلك، وعلى الرغم من هذا الامر فقد كلفت الامم المتحدة لجنة برئاسة فيتزجيرالد للذهاب الى بيروت ووضع تقرير عما جرى، وبعدها تشكلت لجنة تحقيق من خيرة المحققين الدوليين برئاسة ديتليف ميليس، والتي ما ان بدأت عملها حتى ارتفعت الأصوات مجدداً اعتراضاً، موجهة التهم الى أطراف سياسية بأنها تريد استغلال اغتيال الرئيس الحريري، وخلف ميليس المحقق المعروف بقدراته ونزاهته سيرج برامرتس، حيث واصل التحقيقات، واستقال لتعيينه مدعياً عاماً في المحكمة الجنائية الدولية، وخلفه دانيال بلمار، والذي اصبح مدعياً عاماً للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
وفي كل مرحلة من هذه المراحل كان المعترضون يرفعون أصواتهم، ويشككون في التحقيق وفي المحكمة الدولية، بل ذهبوا الى حد اتهامها بأنها مسيّسة.
اما اليوم، وبعدما طلب بلمار من قاضي الإجراءات التمهيدية إطلاق سراح الضباط الاربعة لعدم كفاية الادلة، ووافق قاضي الإجراءات على هذا الطلب، وتم إطلاق سراح الضباط الاربعة، فهل يا ترى لا تزال هذه المحكمة مسيّسة؟
قطعاً، ان ما جرى هو دليل ساطع وكبير على أن هذه المحكمة ليست مسيّسة، بل انها تنفذ القانون بحذافيره، علماً، وللتذكير فقط، فان الضباط الاربعة لا يزالون في إطار التحقيق، وهذا لا يعني انهم مذنبون، وكذلك لا يعني انهم أبرياء.
على كل حال سوف يقال كلام كثير حول ظلم لحق بالضباط الاربعة، ونحن بالتالي لسنا في وارد تبرئة أو إدانة أحد، فالامر منوط بالمحكمة الدولية، ولكن الثابت تماماً أن المحكمة ليست مسيّسة، وبالتالي فإن القتلة لن يستطيعوا الافلات من العدالة مهما طال الزمن.
.. لقد كان من المفترض عدم إثارة الضجيج بعد إطلاق سراح الضباط، وعدم الذهاب الى حد توجيه الاتهامات مجدداً ضد فريق لبناني أساسي، وكان من المفترض ايضاً عدم إقامة الاحتفالات لاستغلال الأمر لأغراض ذاتية شخصية أو انتخابية، بل كان على الجميع ان يتمثلوا بالشيخ سعد الحريري، الذي اعتبر ان قرار إطلاق سراحهم يثبت تماماً أن المحكمة الدولية ليست للثأر أو للانتقام، بل لإحقاق الحق لا غير، وكما رحب بكل ما يصدر عن المحكمة كان على الآخرين ان يرحبوا من دون العودة الى أساليب توجيه الاتهامات، وكأن القتيل يرضى وليس يرضى القاتل.