في حال فوز "حزب الله" وحلفائه بالأكثرية في الانتخابات المقبلة
هل تميّز أميركا في التعامل معه بين السياسة والأشخاص ؟
لاحظت أوساط سياسية ورسمية أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تجنبت خلال مؤتمرها الصحافي في بيروت الاجابة بوضوح عندما سئلت: كيف ستتعامل الادارة الاميركية مع حكومة لبنانية جديدة اذا فازت المعارضة او "حزب الله" في الانتخابات المقبلة، فاكتفت بالقول: "لن اخوض في تكهنات حول نتائج الانتخابات في بلدكم، وهذا أمر يعود الى الشعب اللبناني تقريره لكننا نأمل في ان تجري الانتخابات من دون اي تهديد وبعيدة عن التدخلات الخارجية وان تستمر نتائجها في اتجاه موقف معتدل ايجابي يعود بالفائدة على جميع اللبنانيين. فنحن نريد لبنان بلداً قوياً مستقلاً حراً، ولا شك ان الانتخابات ستكون مؤشراً أساسياً على هذا الدرب".
وكانت الوزيرة كلينتون قد نبهت في تصريح سابق لها الى محاذير فوز "حزب الله" في الانتخابات مكتفية بالاشارة الى احترام المبادئ الاساسية لـ"ثورة الأرز" التي حققت سيادة الشعب اللبناني وحريته و"ستعمل على ترجمتها الى حقيقة دائمة".
وتعقيباً على موقف وزيرة الخارجية الاميركية هذا، الذي عادت السفيرة الاميركية في لبنان ميشيل سيسون وأكدته بالقول: "ان الانتخابات هي فرصة للبنان ولأصوات الاعتدال فيه لمواصلة العمل للنهوض والازدهار في هذا البلد وان شكل الحكومة سيقرر بعد الانتخابات عندما تحدد سياستها وبيانها الوزاري كي نبني على الشيء مقتضاه" والسؤال هو: هل ستميّز الولايات المتحدة الاميركية في تعاطيها مع حكومة مابعد الانتخابات النيابية اذا تألفت من أكثرية فازت بها المعارضة وتحديداً "حزب الله" بين الاشخاص والمبادئ والسياسة التي ستنتهجها هذه الحكومة، فيما لو التزمت تنفيذ ما لم تستطع اكثرية قوى 14 آذار تنفيذه، وهل نتعامل معها إيجاباً أم سلباً؟
ولو ان هذه الحكومة حددت سياستها في بيانها الوزاري مؤكدة فيه انها تلتزم تنفيذ القرار 1701 من أجل الاستقرار والازدهار في المنطقة، وانها مستعدة للدخول في مفاوضات مع اسرائيل الى جانب سوريا من أجل التوصل الى اتفاق سلام بحيث لا تعود عندئذ حاجة الى سلاح المقاومة ولا الى اعمال عنف واستشهاد ولا الى وجود اي سلاح خارج الشرعية، بل يصبح السلاح في يد الدولة وحدها من دون سواها، وبتحقيق هذا السلام لا يبقى مبرر لوجود سلاح داخل المخيمات الفلسطينية وخارجها. ويزول النزاع حول الوضع في الجولان والوضع في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ولا تعود الحاجة حتى الى وجود قوات دولية في الجنوب ولا في الجولان، اذ تنعم المنطقة كلها عندئذ بالأمن والامان والاستقرار وتعيش كل دولة فيها داخل حدود آمنة، وتصبح العلاقات طبيعية فيما بينها خصوصاً بين الدول المتجاورة وعلى أساس الاحترام المتبادل لسيادة كل منهما واستقلاله.
ثمة من يرى ان الولايات المتحدة الاميركية ومعها الدول الاوروبية ستتعاطى مع اي حكومة في لبنان وفق سياستها والتزام تنفيذها فعلاً لا قولاً وليس مع اشخاصها تأكيداً لاحترامها نتائج الانتخابات، واذا كانت لم تتعاط مع حكومة "حماس" رغم فوزها بالأكثرية في الانتخابات، فلأن هذه الحكومة رفضت الاعتراف بدولة اسرائيل، واصرت على اعتماد المقاومة واعمال العنف سبيلاً لتحرير الارض المحتلة وليس سياسة التفاوض والحوار، فلو ان حركة "حماس" غيرت هذه السياسة لكانت دول الغرب غيرت سياستها حيالها.
لكن ثمة من يتساءل: هل في استطاعة حكومة يشارك فيها "حزب الله"، او لم يشارك فيها مكتفياً بإدارتها وتوجيهها، الدخول في مفاوضات مع اسرائيل لمجرد ان سوريا توافق على ذلك حتى ولو لم توافق ايران التي قد تربط موافقتها بحل موضوع الملف النووي قبل حل الصراع العربي – الاسرائيلي، او بعد حله، شرط اعطاء ضمانات؟ وهل في استطاعة "حزب الله" ان يكون موقفه واحداً اذا اختلفت النظرة الى سياسة المنطقة بين سوريا وايران او بين اسرائيل وايران اذا ما اكتفت بتحقيق سلام مع سوريا ولو كلفها ذلك اعادة الجولان في مقابل إبعاد سوريا عن ايران اذا رفضت الأخيرة تحقيق هذا السلام قبل التوصل الى حل للملف النووي… وهل توافق ايران على ان يتم التوصل الى اتفاق سلام بين اسرائيل من جهة وسوريا ولبنان من جهة اخرى بمعزل عن التوصل الى مثل هذا السلام بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية.
الواقع ان ما بعد الانتخابات النيابية المقبلة اهم بنتائجها مما هو قبلها، فاذا فازت قوى 14 آذار بالأكثرية، فان الدول المعنية بوضع لبنان سوف تراقب تصرف قوى 8 آذار كأقلية وهل ستتكرر سياسة التعطيل التي اعتمدتها خلال السنوات الثلاث الأخيرة؟ واذ فازت قوى 8 آذار بالأكثرية، ورفضت قوى 14 آذار اذا اصبحت اقلية المشاركة معها في الحكومة، وهي مشاركة حق يراد بها باطل، فكيف ستتصرف اكثرية 8 آذار، بل كيف سيكون موقفها اذا ما اشترطت قوى 14 آذار لقبول المشاركة، الاتفاق مسبقاً على برنامج الحكومة حرصاً على الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في البلاد، حتى اذا ما تشكلت تكون حكومة وحدة وطنية على اساس هذا البرنامج فيتم عندئذ تنفيذ ما يتم تنفيذه على مدى سنوات سواء ما يتعلق بالشؤون الداخلية ولا سيما مشاريع النهوض بالوضع الاقتصادي والمالي، او ما يتعلق بالشؤون الخارجية ولاسيما تنفيذ القرارات الدولية ومنها على الأخص القرار 1701 كي تقوم الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها على كامل اراضيها، فلا يكون سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها.
اما اذا تصرف "حزب الله" في حال فوزه مع حلفائه بالأكثرية النيابية كما تصرف وتتصرف "حركة حماس" في فلسطين، فان لبنان سيواجه عندئذ أخطر وضع سياسي وامني واقتصادي قد يفوق خطورة الوضع الذي تعيشه "غزة" حتى الآن.