شكرا كبيرا للمحكمة الدولية وشكرا ملتبسا لمن ابتهج؟!
لا بد من قول كلمة شكر كبيرة للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان على قرارها تخلية الضباط الاربعة جميل السيد وعلي الحاج ومصطفى حمدان وريمون عازار، لانها رأت ان «استمرار احتجازهم من دون قرينة الاتهام يشكل افتئاتا قانونيا وتجاوزا لحقوق الانسان»!
هذه العبارات لا لبس فيها ولا اعتراض عليها، طالما انها لا تختلف بشيء موقتا عن قرينة لا علاقة لها بالبراءة، خصوصا انه سبق القول ان «استمرار الاعتقال ليس اتهاما مثله مثل الاخلاء ليس تبرئة». لذا كان لا بد للمحكمة الدولية من تصحيح الخطأ القضائي، العدلي اللبناني الذي تجاوز اصول الاحتجاز كما اصول فترة الاتهام. وهذا ما على السلطة القضائية تبريره مهما اختلفت طبيعة عملها ونظرتها الى هذا الملف؟!
وفي المقابل، لا بد من قول كلمة شكر ملتبسة للذين عبروا عن رأيهم في ما صدر عن المحكمة الدولية، بواسطة القذائف الصاروخية والاسلحة المتوسطة والخفيفة، مع علم هؤلاء ومن اعطاهم الامر وغطى تصرفهم ان تخلية سبيل الضباط الاربعة ليس تبرئة ساحتهم (…) وهي الساحة التي شهدت عشرات جرائم الاغتيال السياسي ومحاولات الاغتيال، بما في ذلك عمليات التفجير الجانية التي اوقعت خسائر في الارواح وخسائر مادية وخسائر في السمعة السياسية والامنية والاخلاقية في لبنان.
وفي هذا السياق بالذات، لا بد وان يكون من اعطى الامر باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في مذبحة الرابع عشر من شباط 2005 قد انفرجت اساريره ليس لانه لم يعرف الى الآن ولم تضع المحكمة يدها عليه، بل لانه وجد من يرحب بتجهيل المجرم بالكلام وبمظاهر السلاح، وكأن من اصابته يد الغدر هو من تصح ملاحقته ومقاضاته!
أما اولئك الذين لم يستوعبوا الى الآن خطورة ترك الجرح اللبناني مفتوحا سياسيا – مذهبيا، لن يزيل ما حدث من مجازر من ذهن كل واحد منهم، خصوصا ان المجرم – البريء الذي قتل رفيق الحريري ورفاقه قد يكرر مشهده في الاتجاه المعاكس عندما تدعوه الحاجة الى ذلك ليس لان كل ما طاولته يد الغدر من صنف سياسي ومذهبي واحد، بل لان الهدف الذي التقوا حوله قد جسد حقيقة المفهوم الوطني لمرحلة معينة من عمر لبنان (…).
للتذكير فقط ولمن يهمه الامر، لم يتحدث احد عن ابتهاج ظاهر لمقتل الحريري ورفاقه ولضحايا عمليات الاغتيال والتفجير التي حصلت قبل 14 شباط 2005 وبعده، فيما كان تأكيد واضح بأن من فهم من الاغتيالات انها تصب في مصلحته وفي مصلحة خطه السياسي لم يخف سروره، لاسيما عندما اصدر احكاما بالبراءة المسبقة على الضباط الاربعة ولم يتوقف يوما عن التعبير عن وجهة نظره القائلة ان «هؤلاء براء من التهم» من غير حاجة الى اية قرينة تسأل عن سواهم في معرض ارتكاب مسلسل الجرائم الواجب التذكير بها علّ من لم يفهمها على حقيقتها ان ينظر اليها بواقعية مهما طال الزمن، وهي:
> محاولة اغتيال النائب مروان حماده في الاول من تشرين الاول 2004.
> اغتيال الرئيس الحريري في 14 شباط في عملية تفجير في بيروت اسفرت عن سقوط عشرين قتيلا آخرين و220 جريحا. وتوفي النائب والوزير السابق باسل فليحان الذي اصيب بحروق خطرة خلال الاعتداء، في 18 نيسان.
> 2 حزيران: اغتيال الصحافي سمير قصير في اعتداء بسيارة مفخخة في الاشرفية.
> 21 حزيران: مقتل الامين العام السابق لــ«الحزب الشيوعي اللبناني» جورج حاوي في اعتداء سيارة مفخخة قرب منزله في وطى المصيطبة.
> 12 تموز: اصابة وزير الدفاع الياس المر بجروح في تفجير سيارة مفخخة في النقاش اوقع قتيلا وتسعة جرحى.
> يوم 25 ايلول تفجير عبوة ناسفة موضوعة تحت سيارة الاعلامية مي شدياق في محلة غادير تؤدي الى بتر ساقها ويدها.
> يوم 12 كانون الاول 2005 اغتيال النائب جبران تويني بتفجير سيارة مفخخة خلال مرور سيارته على طريق المكلّس فقتل على الفور وقتل مرافقاه نقولا الفلوطي واندريه مراد وجرح 34 مواطنا، وبعده النائب وليد عيدو في 13 حزيران 2007 ثم النائب انطوان غانم في 19 ايلول 2007.
> يوم 5 ايلول 2006 محاولة اغتيال نائب رئيس فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي المقدم سمير شحادة في محلة الرميلة الساحلية بتفجير عبوتين ناسفتين خلال مرور موكبه الامني، ما ادى الى استشهاد اربعة من مرافقيه.
> يوم 21 تشرين الثاني 2006 اغتيل وزير الصناعة بيار امين الجميل بإطلاق ثلاثة اشخاص النار عليه من رشاشات تحمل كواتم للصوت، وذلك خلال مرور موكبه في محلة الجديدة وقتل معه مرافقه سمير الشرتوني. وبعدها اغتيال مدير العمليات في قيادة الجيش اللواء فرنسوا الحاج فضلا عن عشرات عمليات التفجير والنسف التي اوقعت عشرات القتلى والجرحى.
أزاء هذا المسلسل الجرمي الرهيب، لا بد من دلالات واضحة بالنسبة الى من يحتمل ان يكون وراء ما حصل، من غير حاجة الى اتهام مباشر، خصوصا ان بعض ما عانى منه لبنان في مرحلة زمنية معينة يؤكد ان «دود الخل منه وفيه»، على رغم النفي المتواصل وعلى رغم اطلاق الصواريخ ابتهاجا!
يبقى القول «اننا في لبنان مع حرية التعبير عن الرأي ولو بقليل من الحذر. وهذا ينطبق على الاخذ بقرارات قضائية مهما اختلفت النظرة والعاطفة اليها» (…) فيما لا وجود لحرية ولقضاء وقدر لدى سوانا والادلة اكثر من ان تحصى؟!