الإستغلال الإنتخابي يهدّد النظام الأمني والقضائي… وواشنطن تعتبر أن الجنرالات ما زالوا قيد التحقيق
حزب الله يتبنى إطلاق الضباط … والمعارضة تطالب برأس القضاء!
الحريري يدعو اللبنانيين إلى التضامن: المحكمة أثبتت ابتعادها عن التسييس والمجرمون لن يفلتوا من العقاب
خرجت الاحتفالات التي رافقت الافراج عن الضباط الاربعة، عن طابعها الشخصي والانساني وارتدت الكثير من مظاهر الاستفزاز والتحدي من خلال الحشود الحزبية التي توزعت على منازل الضباط، والخطابات التي ألقيت، وخاصة في منزل اللواء جميل السيد، فضلاً عن اطلاق النار بكثافة في بعض احياء بيروت، بعيداً عن مواقع منازل الضباط المفرج عنهم.
وبدا واضحاً ان <حزب الله> رعى تفاصيل الاحتفالات امنياً وتنظيمياً واعلامياً، الى جانب اطلاق مجموعة من المواقف التي هزت اسس النظام الامني والقضائي عبر الحملة الشعواء التي استهدفت القضاء ورموزه البارزة.
وفي المقابل، كان رئيس تيار <المستقبل> النائب سعد الحريري يعقد مؤتمراً صحافياً، في لحظة خروج الضباط الاربعة من سجن رومية، يعلن فيه قبوله بكل قرار يصدر عن المحكمة، مؤكداً بأن قرار قاضي الاجراءات التمهيدية لدى المحكمة الدولية دانيال فرانسين بالافراج عن الضباط الاربعة يسقط مزاعم تسييس المحكمة، معتبراً بأن ما جرى امس هو بداية انطلاق عمل المحكمة بشكل واضح وصريح وليس نهاية لها.
وأبدت اوساط سياسية خشيتها من ان تكون الاحتفالات التي رافقت الافراج عن الضباط، وما شابهها من ممارسات امنية وسياسية، بداية لمرحلة جديدة من التوتر وعودة الاشتباك السياسي في البلاد، خصوصاً وان المواقف التي اطلقت في منازل الضباط صوبت بشكل مباشر على قوى الاكثرية <التي لم تعد مؤتمنة على مصير البلاد> على حد تعبير نواب في <حزب الله>.
وفي حين حاولت مصادر في المعارضة التخفيف من وقع مظاهر الاحتفالات وردود فعلها في الشارع، على اعتبار انها مناسبة لتسخين الحملة الانتخابية للمعارضة، سعياً للحصول على الاكثرية النيابية في المجلس المقبل، وصفت اوساط في الموالاة الاجواء التي احاطت باستقبال الضباط بأنها اشبه ما تكون باجواء انقلاب على المرحلة التي سادت بعد توقيف الضباط في 30 آب 2005.
ومع ذلك، فقد لوحظ ان نواب كتلة الرئيس نبيه بري وكذلك نواب تكتل <التغيير والاصلاح> الذي يرأسه العماد ميشال عون كانوا خارج <الصراخات> الشعبية، في منازل الضباط الاربعة، بخلاف نواب <حزب الله> الذين توزعوا على منازل اللواء علي الحاج والعميدين مصطفى حمدان وريمون عازار ومنزل اللواء جميل السيد الذي بدا انه كان <نقطة الثقل>، سواء من خلال تنظيم الاستقبال الشعبي، او من خلال الحضور السياسي، حيث تهافت معظم نواب الحزب بقيادة رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، والقادة الامنيين والسياسيين بالاضافة الى <وجوه> المرحلة السابقة، ولا سيما الوزراء السابقين وئام وهاب وميشال سماحة وعدنان عضوم الذي خرج من صمته وقاد حملة منظمة على القضاء اللبناني مع النائب السابق ناصر قنديل الذي لم يوفر باسم رموز هذا القضاء مطالباً باستقالتهم.
اما الضباط الاربعة، فلم يوفروا بدورهم القضاء اللبناني، وكان ابرزهم اللواء السيد الذي القى كلمة في المهرجان الذي نظم له امام منزله في الجناح، والذي تحدث فيه أيضاً رئيس المجلس السياسي في <حزب الله> ابراهيم أمين السيد، وقال: >إن أربعة ضباط أفرج عنهم اليوم (أمس) وبقي سجين واحد هو رفيق الحريري، والمطلوب إطلاق سراحه وسجّانه القضاء اللبناني والسياسة اللبنانية، ولا يحق لهم التزوير لإدخال الناس الى السجن>.
أضاف: <إن النائب الحريري يريد حقيقة من اغتال والده، لكنه قبل المقايضة بين السياسة ووالده>، معتبراً أنه خرج <ببراءة دولية>.
واعتبر اللواء علي الحاج خروجه من السجن <بداية ظهور الحقيقة>، لافتاً الى <كل ما جرى في السابق كان تعمية عن الحقيقة لأهداف سياسية ضيقة>، ولاحظ أن المحكمة الدولية اتخذت قراراً بإنصافهم، <وكنا نتمنى أن تكون هذه العلامة الجيدة على جبين القضاء اللبناني>.
وشدد على أنه لن يعود الى العمل غداً، لكنه قال إنه باقٍ له في الخدمة خمس سنوات، وأن <بزّة قوى الأمن ملكي كما كانت ملك أبي، وكما هي ملك إبني، وهذه المؤسسة للجميع>،
أما العميد ريمون عازار الذي انتقل الى منزله في بلونة، فقد اعترف بأنه <لولا القضاء الدولي وحكمته لما كان أخلي سبيله>، معلناً مسامحته لكل من أساء إليه، في حين تأخر وصول العميد مصطفى حمدان الى منزله، بسبب زيارته لقبر والدته ليلى عبد القادر قليلات في الباشورة، معتذراً عن عدم استقبال المهنئين، شاكراً كل من آزره، إلا أنه عاد وخرج أمام الإعلام، في إطار الحشد السياسي لقضية الضباط الأربعة.
قرار فرانسين
وكانت السلطات اللبنانية قد امتثلت فوراً لقرار قاضي الاجراءات التمهيدية في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان دانيال فرانسين بالإفراج الفوري عن الضباط الأربعة المحتجزين على ذمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وجاء قرار فرانسين سنداً للمواد 68 و4 و17 و93 و101 و102 و24 من نظام الأدلة والإجراءات في المحكمة. آخذاً بعين الاعتبار أنه لا يمكن إصدار أي اتهام ضد الأشخاص المعتقلين قبل جمع كل الأدلة، وبحسب التوصية التي قدمت من المدعي العام الدولي القاضي دانيال بلمار، وبعد دراسة كافة الملفات والوثائق والأدلة والنظر فيها، تبين أن الأسباب ليست كافية للاستمرار في احتجازهم، قرر قاضي الاجراءات التمهيدية الطلب من القضاء اللبناني إخلاء سبيل هؤلاء الأشخاص مع ضمان أمنهم وستعلن هذه النتيجة علناً.
وأضاف فرانسين: <إن التحقيق في أصول المحاكمات يعني أن الشخص المتهم هو الذي توجه اليه تهمة او اثنتان مؤكدتان وتشير مواد نظام الاجراءات والادلة انه في حال توافرت ادلة لجريمة لا بد من استمرار التوقيف للتحقيق ولا يمكن الاستمرار في التوقيف اكثر من 90 يوماً من دون صدور قرار المحكمة، وان الادلة والمعلومات لم تكن كافية لادانة الموقوفين، وقد جمع القاضي كل المعطيات وأخذ في الاعتبار افادات الموقوفين وراجع الادلة المتعلقة بكل الرسائل والادلة الجنائية واتخذ قراراً في ما يتعلق بالوثائق التي قدمها الموقوفون الى السلطات اللبنانية>.
وتابع فرانسين ان المدعي العام قام بدراسة معمقة لكل المواد والمعلومات ذات الصلة المتاحة حتى الآن وانه اعاد النظر في المستندات والتحاليل الموجودة لديه والمأخوذة من السلطات اللبنانية ومن لجنة التحقيق الدولية، وأخذ بالاعتبار التناقضات في افادات الشهود وفي الادلة، ورأى ان الملفات التي بحوزته لا تكفي لاحتجاز الضباط الاربعة ولذلك يتم اعتماد قرينة البراءة، فالحجز الاحتياطي هو تدبير استثنائي لا يمكن تبريره الا اذا اقتضت الضرورة>.
الحريري
وفيما كان الضباط الاربعة يخرجون من السجن، عقد النائب الحريري مؤتمراً صحافياً في قريطم، للتعليق على قرار القاضي فرانسين، مؤكداً انه <لا يشعر بذرة واحدة من خيبة الامل ومن الخوف على مصير المحكمة الدولية> معلناً بشكل مباشر وواضح ترحيبه بأي قرار يصدر عن المحكمة الدولية سواء بمصير الضباط الاربعة، او بأي امر من اختصاصها في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقضايا الاغتيالات الاخرى التي استهدفت قيادات لبنان.
ولفت الى ان القرار الصادر عن القاضي فرانسين والتوصية الصادرة عن المدعي العام الدولي دانيال بيلمار لن يكونا بالنسبة لنا موضع تشكيل، مؤكداً بأن <لن يعطي المتضررين من قيام المحكمة الدولية اي اشارة سلبية تؤثر على عملها>. وقال: <إن التوصية والقرار هما خطوة في مسيرة العدالة نريدها ان تستمر>، ملاحظاً بأن القرار هو <الرد الساطع على كل من قام بحملة على المحكمة الدولية مدعياً انها مسيسة، داعياً اللبنانيين الى الاحتكام الى القانون والى العدالة، موجهاً التحية الى القضاء اللبناني والقوى الامنية اللبنانية على كل ما قاموا ويقومون به للمساعدة على الوصول الى العدالة. إلا انه لاحظ ان المحكمة الدولية اصبحت مسؤولة الآن عن ما قد ينتج عن قرارها اخلاء سبيل اي فرد من الافراد بانتظار انعقاد المحكمة.
وقال: <انها باختصار بداية عمل المحكمة، ونطمئن من يحاول استغلال هذا القرار للايحاء بأن هذا القرار هو نهاية المحكمة الدولية، بأن المحكمة مستمرة حتى جلاء كامل الحقيقة، وهذا القرار من شأنه ان يشكل دفعاً اضافياً لعملها ويرفع من مستوى مصداقيتها، مكرراً قوله انه لا يريد الثأر من احد ولا يريد الانتقام من أحد، حتى من اولئك الذين اوغلوا في اعداد المسرح السياسي والاعلامي للجريمة عن قصد او غير قصد، ولم يوفروا وسيلة من وسائل الضغط والابتزاز والتهديد والوعيد، الا واستخدموا في حربهم المفتوحة لكسر الرئيس الشهيد رفيق الحريري وانذاره بتكسير لبنان على رأسه ورؤس اللبنانيين.
وختم: <ليطمئن الجميع، وليطمئن اهالي الشهداء وجميع اللبنانيين ان المحكمة باقية، وانها فوق الصفقات، وان من يجب ان يكون خائفاً اليوم هو القاتل ولا احد سواه>.
واشنطن والقاهرة
وإذا كان النائب الحريري حصر تعليقه على قرار فرانسين في السياسة، من دون الدخول في قراءة قانونية للقرار، فإن الولايات المتحدة اكدت ان قرار المحكمة الدولية تمّ بسبب نقص الأدلة، وان الضباط الأربعة لا يزالون رهن التحقيق حول دورهم المفترض في الاغتيال. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية روبرت وود <على حد علمي، ان هؤلاء الجنرالات الاربعة لا يزالون رهن تحقيق يجريه المدعي العام> للمحكمة الخاصة بلبنان دانيال بيلمار.
وأضاف ان <المدعي العام اعلن ان التحقيق مستمر>، مشدداً على دعم الولايات المتحدة للمحكمة الخاصة بلبنان التي انشئت العام 2007 بموجب قرار من مجلس الأمن الدولي وباشرت أعمالها في الأوّل من آذار في لايدشندام.
وفي القاهرة، صرّح المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية السفير حسام زكي، ان الافراج الذي تمّ عن الموقوفين اللبنانيين الأربعة منذ عام 2005، من شأنه ان يفتح الطريق امام محكمة محايدة وغير مسيسة لقضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق الشهيد رفيق الحريري وكافة الاغتيالات التي تلته.
وقال المتحدث الرسمي ان مصر تنظر إلى مسألة الافراج باعتبارها اجراء قانونياً بعيداً عن التسييس يعزز ثقة جميع الاطراف في سير عمل المحكمة الناشئة.
وشدد على ثقة مصر في ان المحكمة ستلتزم اقصى معايير الموضوعية والنزاهة القانونية بما يتيح تحقيق العدالة التي تنشدها عائلات الضحايا وكافة الاطراف اللبنانية والعربية والدولية التي دعمت تشكيل المحكمة من البداية.
واوضح المتحدث الرسمي انه – وفي نفس الوقت – يتعين على الجميع عدم القفز إلى اية نتائج حول براءة أو ادانة أي من المفرج عنهم في المرحلة الحالية، مشدداً على أهمية انتظار ما سيسفر عنه عمل المحكمة في هذا الشأن داعياً إلى عدم تسييس عملية الافراج في أي اتجاه.
سليمان
وأعرب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، الذي يقوم بزيارة رسمية إلى بريطانيا، عن ارتياحه لصدور قرار إطلاق سراح الضباط الأربعة الموقوفين، معتبراً ان ذلك يعبّر عن انطلاق سير المحكمة الدولية بشكل صحيح وشفاف ودون تسييس وينبئ بكشف الحقيقة كاملة، مشيراً إلى ان جميع اللبنانيين يجمعون ويوافقون على قرارات هذه المحكمة.
وقال: <اني مرتاح لأن الضباط عندما يطلقون لعدم علاقتهم بالقضية أو لحين جلاء الحقيقة، فإن ذلك يشكل افادة شرف للجيش والقوى الأمنية، فهم اعتبروا في وقت ما مرتكبين وعندما يثبت العكس سأكون سعيداً جداً. اما التساؤل عن سبب اطلاقهم من قبل القضاء الدولي فيما لم يفعل ذلك القضاء اللبناني، فهناك فرق بين معايير القضاءين اللبناني والدولي، ذلك ان القضاء الدولي يعتمد المعايير الانغلوساكسونية، فيما يعتمد القضاء اللبناني المعايير الفرانكوفونية، والقضاء الذي طالب بتوقيف الضباط هو الذي اطلقهم اليوم وهذا امر جيد>.
وشدد سليمان الذي التقى امس ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية ووزير الدفاع جون هانن، وزار كاتدرائية وست مبنسر والتقى عدداً من اركان الجالية اللبنانية وإعلاميين لبنانيين وأجانب، من جهة أخرى على ان <حزب الله> ملتزم بالقرار 1701، وان ايران لا تحتاج إلى رد لبناني على احتمال استهداف إسرائيل لمنشآتها النووية، معتبراً ان الشبكات الإسرائيلية في لبنان تشكل خرقاً للقرار 1701، ودليلاً على مدى الخطر الذي تمثله إسرائيل على لبنان والجوار.
واكد ان اتفاق الطائف هو محط إجماع لبناني وليس من الوارد الحديث عن اتفاق طائف – 2، معتبراً في المقابل ان اتفاق الدوحة ادى غايته ويجب <ان نعود إلى الدستور بعد ذلك، ونطبق نصه وروحه الميثاقية من دون ان ننسى ان في اتفاق الدوحة روحاً توافقية يجب العمل بها>.
إنتخابات
أما على الصعيد الإنتخابي، فقد كشفت المصادر ان اللمسات الأخيرة وضعت على لائحة زحلة لقوى الأكثرية، التي ستعلن السبت أو الأحد في أبعد تقدير، بعدما حسم المرشح الشيعي على اللائحة وهو الزميل عقاب صقر.
وبالنسبة إلى بيروت الأولى، فإن الإتصالات مستمرة مع رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع من أجل سحب مرشحه ريشار قيومجيان، باعتبار ان ترشيح النائب سيرج طورسركسيان هو نهائي وسيستمر في الإنتخابات ولو منفرداً.
أما بالنسبة لجزين، فقد أيّد النائب السابق سليمان فرنجية موقف العماد عون، واعتبر أن من حقه في الدائرة ذات الأكثرية المسيحية، في إشارة إلى جزين، ان يسمي المرشحين المسيحيين فيها، وقال انه لا يتفق مع موقف الرئيس بري، مع الإحترام للنائب سمير عازار. في حين كان نائب بارز في كتلة التنمية والتحرير يؤكد ان بري متمسك بعازار، وان الخلاف ما زال على حاله.
في غضون ذلك، أعلن النائب السابق خالد ضاهر لموقع <النشرة>، والمرشح عن عكار أنه في حال فوزه سينضم إلى كتلة الجماعة الإسلامية ويشكل مع المرشح عن الدائرة الثالثة عماد الحوت كتلة واحدة بعد الإنتخابات.