قراءة في هستيريا استقبال الضباط الاربعة
المحامي جورج ابو صعب
تابعنا باهتمام كبير لا يخلو من التعجب والدهشة وقائع اطلاق الضباط الاربعة من سجن رومية بناء لقرار قاضي الامور التمهيدية لدى المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، ووقائع استقبالهم في ديارهم وهذا السيل الجارف اللاواعي للاتهامات والادانات والتصاريح النارية التي اطلقتها رموز 8 اذار بالمناسبة. من دون اطالة ارى من الواجب الاضاءة على ما يلي:
1- ان ما شهدته ساحة 8 اذار في هذه المناسبة بدى لي وكأنه البحث عن انتصار اي انتصار ولو وهمي لتعويم صورة القوى المتحالفة تحت سقف 8 اذار انتخابيا وكان اطلاق الضباط الاربعة مناسبة منتظرة للظهور بمظهر المنتصرين على طريقة اطلاق الاسرى اللبنانيين والفلسطينيين من السجون الاسرائيلية وما رافقه من مزايدات ومواقف غوغائية لا تمت بصلة الى الرصانة السياسية والمسؤولية الوطنية. فقوى المعارضة كانت بحاجة الى حدث ما، على هشاشته، لتعيد اظهار نفسها على انها حققت انجازا يسجل في خانتها الانتخابية المقبلة في 7 حزيران واكبر دليل على ذلك جنوح التصاريح والمواقف من تهنئة الضباط باطلاق سراحهم الى التحول الى الحديث عن الانتخابات واسقاط الطبقة الحاكمة واعادة ترتيب نظام جديد للبلاد.
ولعل في هذا التصرف ما ينم عن حقيقة النوايا الدفينة التي تتملك البعض من رموز وشخصيات 8 اذار في حال تسلمت الحكم واصبحت هي الاكثرية.
2- اللافت ايضا في الموضوع ان كل التصاريح التي نددت بالقضاء وفتحت من خلالها ثغرة الانقضاض على الحكومة والاكثرية الحاليتين بالوعيد والتنديد نسيت حقيقة ان ما خضع له الضباط الاربعة من احتجاز طويل الامد كان بنتيجة قانون اصول محاكمات جزائية من صنع ايدي رموز الوصاية السورية الذين انتفضوا اليوم هم انفسهم على الشاشات وعبر وسائل الاعلام للتنديد والوعيد متناسين ان الشعب اللبناني لا يزال يملك ذاكرة قوية – فالمادة (108) مثلا من قانون الاصول التي فرضت من ضمن سلسلة تعديلات على حكومة الرئيس الحريري يومها بضغط من النظام الامني اللبناني السوري انذاك هي التي اتاحت لقاضي التحقيق في جرائم القتل وجنايات امن الدولة ان يمدد التوقيف على ذمة التحقيق من دون اي سقف زمني وكانت يومها نوايا النظام الامني التنكيل بالمعارضة الوطنية يومها واطلاق القضاء البوليسي يومها ضد السياديين والمناضلين للاستقلال والحرية، فاذا بالسحر ينقلب على الساحر. كما ان اصحاب التصاريح الغوغائية من 8 اذار نسوا ما فعلوه ايام النظام الامني من ممارسة ابشع انواع الاعتقالات والمحاكمات الظالمة وتلبيس الملفات وتلفيق التهم والاحتجاز في الاقبية المظلمة والتعذيب واضطهاد الشباب الحر يومها والابقاء على الناس محتجزة اشهر واشهر من دون اي سند قانوني او تهمة او بالعكس مع اتهامهم زورا واجبارهم على التوقيع على اعترافات باطلة … فيا سبحان الله كيف لايعرف مر اعماله الا من يذوقها.
3- والمؤسف ايضا هذا الفلتان الانقلابي في التصاريح والمواقف السلبية التي قضت على اجواء التهدئة والاستقرار السياسي في البلاد من خلال الوعيد والتنديد وطلب الاستقالات والتنحي والتهجم الاعمى على قوى 14 اذار والنائب سعد الحريري والدكتور سمير جعجع وكافة قوى 14 اذار. وكأن 8 اذار ارادت ان تطلق بحجة اطلاق الضباط الاربعة اشارات هجوم مضاد على قوى 14 اذار وان تحاول الالتفاف على مقررات طاولة الحوار الاخيرة منذ 48 ساعة.
فالخطابات التي القيت والمواقف التي سجلت تشكل خرقا لقانون الدعاية الانتخابية وتشكل خرقا ايضا لمعايير الوفاق الوطني والعيش المشترك ولاجواء الانفتاح والتهدئة والهدوء، وكأننا امام مخطط مدروس يوظف اطلاق الضباط الاربعة لاطلاق شرارة المواجهة السياسية والتصادم المباشر بين القوى عشية الانتخابات بغية توتير الاجواء وصولا ربما الى تعليق او تأجيل الانتخابات او باحسن الاحوال الى افتعال الاحداث والتشنجات لخلق واقع بلبلة وفوضى تطيح بالانظمة والقوانين وادوار مراقبة الانتخابات.
4- لقد بدى واضحا طغيان المحبة الذي مارسه حزب الله على الضباط الاربعة وكاننا امام اطلاق عناصر من الحزب او قياديين منه، والحزب يعرف كيف يستثمر كل مناسبة للتأثير في الرأي العام ومحاولة قلب المعادلات خاصة الانتخابية عشية اجرائها. ولكن ما يفاجئ هو هذا الجهل والتجاهل لما تنطوي عليه الخطوة من حقائق قانونية بحيث وصل البعض في غيهم الى حد اعتبار قرار اطلاق سراحهم دليل براءة وهم يجهلون ان من يصدر القرار بالبراءة او العكس هي المحكمة او القضاء الجالس وليس قاضي الاعمال التمهيدية ولا قاضي التحقيق. فمن هذا التوظيف الجاهل للخطوة يمكننا قراءة النوايا والتحويرات والتحريفات التي تبين وسع الهوة ليس فقط بين الحركة السيادية و8 اذار بل وايضا بين 8 اذار والثقافة القانونية وحقيقة دور قضاة واجهزة المحكمة الدولية.
5- واخيرا وليس اخرا ومع تفهمنا لاندفاعات الغبطة والفرح والحاجة الى التعبير الا ان ما استوقفني ايضا وايضا تهجم اللواء جميل السيد على الدكتور سمير جعجع. هذا التهجم وان لم يفاجئني الا انه اعاد بي الذاكرة الى ايام النظام الامني والوصاية حيث تذكرت لبرهة الفظائع التي ارتكبها هذا الللواء بحق القوات اللبنانية قيادة وعناصر ومؤيدين. فعقدة القوات اللبنانية على ما يبدو لم تفارقه طوال سنوات توقيفه وقد يكون حلم مرارا وتكرارا بالقوات والحكيم لانهم الوحيدون الذين رغم كل ما فعله بهم بقوا على مبادئهم صامدون وفضلوا التعذيب والمهانة والظلم على الاستسلام. وهو هذا اللواء نفسه الذي طاردهم ونكل بهم وسعى لاخماد وجودهم عن الخريطة السياسية والوطنية – ولكنه فشل – وفشله اعاد اليه الذاكرة بما فعله بالقوات وما حصل للحكيم. والافظع من ذلك انه عاد لتسويق منطق النظام الامني في تسويق الادانات واستنباط الاحكام على قاعدة المنطق العقيم البالي القديم الجديد: بما ان القوات فجرت مطرانية زحله فانها تكون فجرت كنيسة سيدة النجاة. وقد نسي اللواء ان الحكيم والقوات اللبنانية برؤوا من قضية كنيسة سيدة النجاة وكان المفروض به قانونا عندها ان لا يفتح بوجه الحكيم والقوات اي ملفات اخرى عملا بقانون العفو في حينه. ولكن ما العمل والحقد الدفين في النفس عاد ليجتاح اللواء حتى في لحظة اطلاقه من السجن، وقد نسي اللواء ان ظروف الارض اليوم تغيرت عن ما كانت عليه عام 2000 و2004 وحقيقة جديدة عليه مواجهتها اليوم وهي ان عقارب الساعة لا يمكنها ان تعود الى الوراء. فعليه ان لا يدين كي لا يدان، فلدى القوات بالذات ملفات كثيرة عنه. ومن كان بيته من زجاج عليه ان لا يرشق الاخرين بالحجارة.
