معركة أوباما مع المتشددين الإسرائيليين والعرب
السلام الأميركي يشمل لبنان وسلاح "حزب الله"
"أكد مسؤول غربي كبير لجهات عربية واوروبية رسمية ان ادارة الرئيس باراك اوباما تنوي ان تخوض معركة سياسية وديبلوماسية مزدوجة مع المتشددين الاسرائيليين، وكذلك مع المتشددين الفلسطينيين والعرب المرتبطين بالمحور الايراني – السوري من اجل تأمين انطلاق عملية تفاوضية جديدة بين الفلسطينيين والاسرائيليين تقود تدريجا وفي ظل رعاية اميركية – دولية لها الى قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة والاستمرار، وهذا يمهد لسلام شامل ويساعد على تحقيق الاستقرار في لبنان ومعالجة مشكلة سلاح "حزب الله" فيه، ويؤدي ايضا الى تغيير تاريخي في خريطة الشرق الاوسط السياسي والاستراتيجي وفي موازين القوى الاقليمية لمصلحة المعتدلين العرب".
هذا ما كشفته لنا في باريس مصادر ديبلوماسية اوروبية ان ادارة اوباما تريد التحرك جديا وبحزم، وخلافا لادارة الرئيس السابق جورج بوش، من اجل تسوية النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي وذلك استنادا الى اربعة اقتناعات اساسية هي:
اولا، ان تسوية هذا النزاع بما يؤدي الى قيام دولة فلسطينية تتعايش سلميا مع اسرائيل هي "مصلحة قومية اميركية" وليست مجرد مصلحة فلسطينية وعربية واسرائيلية، مما يعني ان الدول والجهات التي ستعمل على عرقلة جهود السلام الاميركية ستكون في حال مواجهة مع ادارة اوباما.
ثانيا، ادارة اوباما على اقتناع بان حل الدولتين هو الحل الوحيد الكفيل بتسوية النزاع وتحقيق السلام، وان هذا الحل يلقى دعما واسعا من الفلسطينيين والاسرائيليين بقطع النظر عن مواقف بعض الزعماء والمسؤولين. كما ان ادارة اوباما على اقتناع بان "السلام الاقتصادي" الذي يدعو اليه رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يحقق السلام لان الحل يجب ان يكون اولا سياسيا. وان يؤمن المصالح الحيوية للشعبين.
ثالثا، ان ادارة اوباما لن تصنع السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين لكنها ستساعد على صنع السلام من خلال التمسك بثلاثة التزامات محددة هي: المشاركة العميقة والمباشرة والجدية في وضع عملية التفاوض الى الامام خلافا لما كانت الحال في عهد ادارة بوش، وتقديم الدعم اللازم للطرفين الفلسطيني والاسرائيلي ومساعدتهما على تذليل العقبات التي ستواجههما وعلى هدم الهوة بينهما، والعمل على توفير الظروف الملائمة عربيا ودوليا لتأمين فرص نجاح هذه المفاوضات.
رابعا، ستعمل ادارة اوباما مع الاطراف المعنيين من اجل تحقيق السلام مع ادراكها التام انها ستواجه مصاعب حقيقية كبرى، لكن القرارات الاساسية والصعبة للتوصل الى السلام يجب ان يتخذها الفلسطينيون والاسرائيليون انفسهم الذين عليهم ان يقبلوا تقديم التنازلات القاسية المتبادلة وان يمتنعوا عن التمسك بمبدأ "كل شيء او لا شيء". ومن الضروري والحيوي ان يقبل الطرفان الفلسطيني والاسرائيلي حلا متوازنا وعادلا وواقعيا قابلا للتطبيق، يؤمن لكل منهما مطالبه الاساسية والمشروعة من دون ان يعني ذلك تأمين كل المطالب، لانه يستحيل تحقيق السلام اذا ما تمسك كل طرف بمطالبه القصوى كما اثبتت ذلك تجارب السنوات الطويلة الماضية. وتنوي ادارة اوباما تركيز الجهود في المرحلة المقبلة على دفع الفلسطينيين والعرب والاسرائيليين الى اتخاذ اجراءات متبادلة لاعادة بناء الثقة بينهم تشمل خصوصا تجميد الاستيطان الاسرائيلي وتحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين في مقابل خطوات تطبيعية امنية وسياسية واعلامية محددة، فلسطينية وعربية تشمل وقف الهجمات ضد الاسرائيليين، واعادة العلاقات المقطوعة بين بعض الدول العربية والدولة العبرية، مما يساعد على تحقيق تقدم في عملية التفاوض.
الموقف الأميركي من الأسد
في هذا المجال كشفت المصادر الاوروبية المطلعة مضمون "استراتيجية السلام الاميركية" في الشرق الاوسط، والتي ترتكز على المسائل والنقاط الآتية:
1 – ترفض ادارة اوباما التشاور والتنسيق مع نظام الرئيس بشار الاسد في شأن طريقة حل النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي لانها ترى ان النظام السوري، بتوجهاته الحالية وبتحالفه مع ايران وبدعمه القوى المتشددة وعلى رأسها "حماس" يعمل فعلا على عرقلة وتعطيل اي حل سلمي للمشكلة الفلسطينية قابل للتطبيق. بل ان ادارة اوباما تتشاور وتتعاون مع الدول العربية المعتدلة، وعلى رأسها مصر والسعودية والاردن، ومع القيادة الفلسطينية الشرعية التي يمثلها الرئيس محمود عباس، وكذلك مع دول حليفة كفرنسا وبريطانيا من اجل تحريك جهود السلام. وعلى هذا الاساس، تحادث الرئيس اوباما مع قادة السعودية ومصر والاردن وفلسطين، ودعا الرئيسين حسني مبارك ومحمود عباس اضافة الى بنيامين نتنياهو الى واشنطن نهاية ايار الجاري للعمل على تأمين انطلاق عملية التفاوض الفلسطينية – الاسرائيلية الجديدة.
2 – المعلومات التي تلقاها المسؤولون الاميركيون من دمشق وعواصم اخرى تفيد ان نظام الاسد يريد دفع ادارة اوباما الى اعطاء الاولوية للمسار السوري – الاسرائيلي على اساس ان الوضع الفلسطيني بالغ التعقيد نتيجة الانقسام العميق في صفوف الفلسطينيين، وعلى اساس انه ليست ثمة قيادة فلسطينية موحدة قادرة فعلا على اتخاذ القرارات الملائمة لتوقيع اتفاق سلام مع اسرائيل، وان التوصل الى سلام سوري – اسرائيلي يساعد على تذليل العقبات امام تحقيق السلام الفلسطيني – الاسرائيلي. لكن ادارة اوباما ترفض هذا الموقف السوري وتتمسك باعطاء الاولوية للعمل الجدي على حل النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي، لان ذلك مطلب عربي ودولي، ولان هذا النزاع هو جوهر الصراع بين العرب والاسرائيليين، ولأن تسوية تساعد كثيرا على تعزيز الامن والاستقرار في المنطقة، وعلى تأمين مصالح دولها وشعوبها، وكذلك مصالح الولايات المتحدة، وتفتح باب السلام الشامل.
3 – ترى ادارة أوباما أن النظام السوري يصبح شريكا مقبولا منها يتم التشاور والتنسيق معه بشأن حل النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي اذا ما انضم الى الدول العربية المعتدلة وعلى رأسها مصر والسعودية والاردن وساند جهودها، واذا ما دعم الفلسطينيين المعتدلين الذين يمثلهم محمود عباس وابتعد عن الخيار الايراني المتشدد وشجع "حماس" والتنظيمات المتشددة الاخرى على تحقيق المصالحة مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وقبول شروط السلام المحددة دوليا وعربيا، والانضمام بالتالي الى عملية تفاوض جديدة مع الاسرائيليين تقودها أميركا، او على الاقل الامتناع عن عرقلة هذه العملية. وفي هذا المجال أكد ديبلوماسي عربي بارز "أن نظام الاسد يجد نفسه اليوم في موقف صعب وحرج في تعاطيه مع النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي. ذلك ان نظام الاسد قادر مع ايران على تشجيع "حماس" والتنظيمات المتشددة الاخرى على تصعيد المواجهة المسلحة مع اسرائيل كما حدث أخيرا، لكنه عاجز عن تقديم أي مساعدة عسكرية مؤثرة الى حلفائه الفلسطينيين. وعن تقديم أي دعم سياسي وديبلوماسي يحقق لهم مكاسب لأن نفوذ النظام السوري الاقليمي والدولي ضعيف ومحدود بسبب رفض سائر الدول العربية والاجنبية المعنية بالامر تبني سياساته وخياراته الفلسطينية الحالية التي تهدف الى تأمين مصالح المحور الايراني – السوري وليس مصالح الفلسطينيين الحقيقية. ولذلك طلبت "حماس" والتنظيمات الفلسطينية الاخرى مساعدة مصر وبعض الدول العربية المعتدلة لتمكينها من تجاوز المأزق الخطر الذي تجد نفسها فيه بعد حرب غزة الاخيرة، إذ انها عاجزة عن اعادة اعمار ما هدمته الحرب وعلى تحقيق أي انجاز في التعاطي واسرائيل من خلال الاعتماد على السوريين والايرانيين وحدهم".
شروط السلام في لبنان
4 – ادارة أوباما تريد العمل، تدريجا على تحقيق السلام العربي – الاسرائيلي الشامل من خلال تسوية مختلف القضايا العالقة بين الاسرائيليين من جهة والفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والعرب عموما من جهة ثانية، والمبعوث الأميركي الخاص الى الشرق الاوسط جورج ميتشل مكلف أساسا القيام بهذه المهمة الشاملة وليس فقط الاهتمام بالمسار الفلسطيني – الاسرائيلي ولكن مع اعطاء الاولوية القصوى لهذا المسار. وضمن هذا الاطار فان ادارة أوباما مستعدة للاهتمام بالمسار السوري – الاسرائيلي في الوقت الملائم وفي الظروف الملائمة وحين تتاح الفرصة ويصبح الطرفان المعنيان بالامر جاهزين فعلا لبدء مفاوضات مباشرة من اجل التوصل الى اتفاق سلام. وهذا ليس هو الوضع حاليا وفقا لمعلومات المسؤولين الاميركيين.
وفي أي حال فان الاهتمام الاميركي بالمسار السوري – الاسرائيلي في حال حدوثه، لن يكون على حساب الاهتمام المستمر بتسوية المشكلة الفلسطينية بما يؤدي الى قيام دولة فلسطينية تتعايش سلميا مع اسرائيل. كما أن قيام النظام السوري بدور بناء وايجابي، مختلف عن دوره السلبي الحالي، للمساعدة على تحقيق السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين، يشجع ادارة أوباما على الاهتمام بمصير الجولان وبعملية التفاوض بين السوريين والاسرائيليين.
5 – تحقيق السلام في لبنان وانهاء دور هذا البلد كساحة مواجهة مفتوحة مع اسرائيل يدخلان في اطار استراتيجية السلام الاميركية في الشرق الاوسط. فادارة أوباما حريصة فعلا على تحقيق السلام بين لبنان واسرائيل لوضع حد للاستغلال السوري والايراني لهذا البلد العربي من أجل خوض حروب في أراضيه خدمة لمصالح دمشق وطهران. فالادارة الأميركية تدرك تماماً ان اللبنانيين يعانون فعلا من استمرار هذا النزاع نتيجة وجود تهديد مستمر باندلاع حرب جديدة مدمرة لبنانية – اسرائيلية تنفجر بقرار اسرائيلي او بقرار سوري – ايراني، وايضا نتيجة اصرار "حزب الله" على الاحتفاظ بسلاحه الآتي من ايران وسوريا. وبقرار الحرب تحت ذريعة انتظار تسوية الصراع العربي مع اسرائيل. لكن ادارة أوباما لن ترتكب أخطاء ادارات أميركية سابقة حاولت جر لبنان الى صلح منفرد مع اسرائيل، وهي تدرك، في ضوء اتصالاتها اللبنانية والعربية، ان الوقت ليس ملائما حاليا للاهتمام بالمسار اللبناني – الاسرائيلي وذلك لثلاثة أسباب رئيسية هي:
– ان لبنان باجماع أبنائه يريد أن يكون آخر دولة عربية توقع اتفاق سلام مع اسرائيل، ولذلك فليست ثمة جدوى من التحرك على هذا الصعيد ضد ارادة اللبنانيين.
– ان تحقيق السلام بين الاسرائيليين من جهة، والفلسطينيين والسوريين من جهة ثانية، يزيل الكثير من العقبات امام انجاز السلام اللبناني – الاسرائيلي "السهل نسبيا" سواء بالنسبة الى قضية مصير اللاجئين الفلسطينيين او بالنسبة الى قضية منطقة شبعا المحتلة وترسيم الحدود او بالنسبة الى قضايا اخرى عالقة.
– ادارة أوباما على اقتناع بأن ادخال المنطقة في عملية سلام حقيقية يؤمّن ظروفا افضل لمعالجة مشكلة سلاح "حزب الله" بشكل حاسم ونهائي. وفي انتظار ذلك فان الادارة الاميركية تدعم مناقشة مصير سلاح "حزب الله" في اطار مؤتمر الحوار الوطني الذي يرعاه الرئيس ميشال سليمان وتشدد على ضرورة ان يتم اتخاذ قرار واضح وحاسم لبنانيا يقضي بالامتناع عن استخدام هذا السلاح في الصراع السياسي الداخلي لأن ذلك يهدد بحرب أهلية، في الوقت الذي ستواصل واشنطن تأييدها لضرورة تنفيذ قراري مجلس الامن 1559 و1701 اللذين يدعوان الى نزع سلاح "حزب الله" وسائر الميليشيات في لبنان.
– اذا ما حاول المحور الايراني – السوري العمل على عرقلة جهود السلام الاميركية هذه من خلال تفجير الاوضاع في لبنان، او دفع "حزب الله" الى الدخول في مواجهة مسلحة جديدة مع اسرائيل، فان ادارة أوباما ستواجه هذا المخطط الخطر بحزم شديد وستتشاور مع الدول الصديقة والحليفة لاتخاذ الاجراءات اللازمة الكفيلة باحباطه حماية للأمن والاستقرار في لبنان، وحماية ايضا لمسيرة السلام في المنطقة.
ووفقا لما أكده لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع: "ان ادارة أوباما حريصة على اعتماد الحوار والديبلوماسية مع سوريا وايران لدفعهما الى اجراء تغييرات جذرية وأساسية في سياساتهما وتوجهاتهما بما يعزز الامن والاستقرار والسلام في المنطقة. ولكن اذا ما حاول السوريون والايرانيون استغلال الانفتاح الاميركي المشروط عليهم لعرقلة جهود السلام، فان ادارة أوباما ستعتمد حينذاك سياسة متشددة وقاسية تجاه النظامين السوري والايراني".