صورة استفزازية وانقسامية تصدّرت احتفالات <حزب الله> بإطلاق جميل السيّد ورفاقه
تقديم الدور السياسي المستقبلي ومحاولة لمحو الصورة المشوّهة لخلية الحزب في مصر
<حزب الله> لم يحاول استغلال قضية الإفراج عن الضباط الأربعة لتكريس مناخ التهدئة والتقارب، وأصر على تقديم صورة انقسامية كرّسها منذ الخروج السوري
حاول <حزب الله> من خلال مظاهر الاحتفالات الاستفزازية، التي لاقى بها عملية الافراج عن الضباط الأربعة، المشتبه بضلوعهم في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وإحاطة هذا الحدث باهتمام ظاهر من قبل قياديين بارزين فيه، والسعي لتسويقه بظهور اعلامي وسياسي منسق على مختلف محطات التلفزة الموالية له، خلافاً لباقي الأطراف السياسية الأخرى، توجيه اكثر من رسالة وباتجاهات عديدة في هذه المرحلة بالذات.
الرسالة الأولى، تظهير مبدئي لملامح الدور السياسي الذي يرسمه الحزب لهؤلاء الضباط، أو بعضهم على الأقل، بعد مرحلة الافراج عنهم، ومحاولة استغلالهم في الصراع السياسي الذي يخوضه ضد خصومه السياسيين في الداخل.
وتبدّت ملامح هذا الدور في ظهور مسؤولين بارزين من الحزب، كانوا يتولون بأنفسهم مراسم عودة جميل السيّد إلى منزله، وتوجيه مواقفه الاستعدائية، ضد رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري، الخصم الرئيسي للحزب في المواجهة السياسية الحالية على أبواب الانتخابات النيابية، التي يعدّ ويحشد الحزب لها كل امكانياته السياسية والأمنية والمالية على حد سواء للفوز فيها، لتبديل المعادلة السياسية القائمة حالياً، لصالحه ومن يمثله على الصعيد الخارجي، في المجلس النيابي الجديد، بالرغم من كل الصعوبات والوقائع التي تواجهه لتحقيق هذا الهدف.
وتأتي بالطبع ضمن هذه الرسالة، إعادة تأكيد تأييد الحزب لكل الممارسات وأساليب الترهيب والملاحقة غير القانونية والتدخلات في شؤون القضاء والحياة السياسية، التي تولاها هؤلاء الضباط المفرج عنهم أثناء توليهم لمسؤولياتهم الوظيفية في المرحلة السابقة وتسخير دورهم لصالح إحكام قبضة النظام السوري على لبنان وحرية اللبنانيين واستقلالهم وسيادتهم.
أما الرسالة الثانية، التي ظهرت جلياً من خلال حصر مراسم الاستقبال الشعبي وإظهار الحفاوة التي أبداها <حزب الله> بجميل السيّد من دون الآخرين، فهي تحمل في طياتها رد الجميل للخدمات الجلّى التي قدمها الأخير للحزب أثناء توليه لمسؤولياته في إدارة السلطة الأمنية لأكثر من عقدين متتاليين، وموجهة بجانب آخر وأساسي، لبعض حلفاء الحزب الداخليين وخصوصاً الذين لم يكونوا على <وئام سياسي> وعلاقة طيبة مع جميل السيد طوال المرحلة السابقة، ويتضايقون من اسلوب تظهيره بهذا الشكل السياسي، وهم لم يبادروا أصلاً إلى مواكبة عملية اطلاق سراحه بتنظيم تظاهرات احتفالية مماثلة للمظاهر التي قام بها الحزب.
والرسالة الثالثة، كانت باتجاهين، الأول محاولة إعادة تلميع صورة الحزب كحركة مقاومة لإسرائيل، وليس كأداة إيرانية لاستهداف أمن الدول العربية واستقرارها، ومحو الصورة المشوهة التي انطبعت في أذهان الرأي العام اللبناني والعربي والإسلامي، بعدما أعلنت السلطات المصرية عن اكتشاف خلية <حزب الله> في مصر، والادعاء بأنها كانت تخطط لتنفيذ عمليات تفجير تستهدف مواقع وأماكن سياحية يرتادها الاسرائيليون داخل الأراضي المصرية، وهو ما يعني انها كانت موجهة ضد الأمن القومي المصري وزعزعة الدولة المصرية ككل، وليس كما ادعى الحزب بأنها كانت تسعى لتهريب السلاح إلى المقاومين الفلسطينيين في غزة عبر الأراضي الفلسطينية،، لا سيما بعدما فشلت كل الوساطات والجهود السياسية والدبلوماسية للفلفة هذه القضية ومنع تفاعلها نحو الأسوأ، في ضوء إصرار السلطات المصرية على استكمال المجريات القضائية نحو النهاية، مما ينذر بتفاعل هذه القضية نحو الأسوأ في المرحلة المقبلة، وهو ما ينعكس سلباً على سمعة الحزب وصدقيته وتأثر حركته كحزب مقاوم، كما كان في المرحلة السابقة.
والاتجاه الثاني من هذه الرسالة محاولة مكشوفة لحرف الانتباه والاهتمام الشعبي عن النجاحات التي حققتها الأجهزة الأمنية اللبنانية في إلقاء القبض وتفكيك أكثر من شبكة تجسس تعمل ضمن الأراضي اللبنانية، وفي بعض المناطق التي يسيطر عليها <حزب الله> أمنياً، لطمس هشاشة السيطرة الأمنية التي يفرضها الحزب على هذه المناطق، والسعي لتعطيل كل محاولات السلطة اللبنانية لبسط سيطرتها الأمنية على المناطق المذكورة بعد الانجازات الأخيرة التي حققتها، لأنه لا مصلحة للحزب اطلاقاً في تقوية مؤسسات الدولة وأجهزتها داخل مناطق نفوذه التقليدية.
فبدلاً من أن يستغل الحزب قضية الافراج عن الضباط الأربعة، لتكريس مناخ من التهدئة والتقارب بين مختلف الأطراف السياسيين، بعد <التخوّف> الظاهري الذي أبداه النائب محمد رعد من المناورات الإسرائيلية على الحدود اللبنانية، لفرملة طاولة الحوار ومنع تقدمها نحو الأمام ولو بوصة واحدة، ولتحقيق أقل قدر من الالتفاف بين اللبنانيين لمواجهة ما قد يحدث، إذا كان الوضع على هذا المستوى من الدقة، أصر الحزب على تقديم صورة استفزازية سوداوية كعادته على الدوام، وهي الصورة الانقسامية التي كرّسها منذ الخروج السوري في محطات أساسية، محطة الثامن من آذار المشهودة، ومحطة اهداء المشتبه الرئيسي باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري العميد السوري رستم غزالة بندقية <المقاومة>، ومحطة احتلال وسط بيروت وتطويق السراي بسلاح <المقاومة>، ومحطة السابع من أيار المشؤومة في احتلال العاصمة والتعدي على اللبنانيين في سائر المناطق الأخرى بهدف الاستئثار والتسلط على كل مفاصل الدولة بلا استثناء.