مصادر وزارية لـ«الحياة»: وزراء المعارضة رأوا توقيف الضباط سياسياً
شهدت جلسة مجلس الوزراء التي عُقدت مساء الخميس برئاسة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة نقاشاً واسعاً استمر زهاء ثلاث ساعات حول مسألة الافراج عن الضباط الأربعة من جانب المدعي العام في المحكمة الخاصة بلبنان دانيال بلمار وقاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين يوم الأربعاء الماضي، وما رافقها على الصعيد السياسي.
وقالت مصادر وزارية متطابقة لـ «الحياة» أمس إن وزراء يمثلون المعارضة تناولوا اطلاق الضباط الأربعة من الزاوية نفسها التي تناولتها تصريحاتهم وخطبهم عند الاحتفال بخروجهم من السجن، بدءاً بوزير الدولة علي قانصو (الحزب السوري القومي الاجتماعي) ووزير الشباب والرياضة طلال أرسلان ووزير العمل محمد فنيش (حزب الله) وانتهاء بوزير الاتصالات جبران باسيل، ووزير الشؤون الاجتماعية ماريو عون، فأكدوا مظلومية الضباط لاعتقالهم لمدة 3 سنوات و8 أشهر وطالبوا بمحاسبة القضاء اللبناني على قراره إبقاءهم محتجزين طوال المدة السابقة. وأوضحت المصادر الوزارية لـ «الحياة» أن نقاشاً حصل بين الوزراء والمعارضين والرئيس السنيورة وعدد من الوزراء الآخرين مثل وزراء العدل ابراهيم نجار، والأشغال العامة غازي العريضي، والداخلية زياد بارود، والدولة نسيب لحود ووائل أبو فاعور. كما ان وزير الزراعة غازي زعيتر شارك أيضاً في هذا النقاش.
وذكرت المصادر أن النقاش انتهى الى القبول باقتراح الوزير نجار على مجلس الوزراء أن يشدد على أهمية انطلاق المحكمة واعتبار قرار اخلاء الضباط دليلاً على بدايتها الجدية واحترام قراراتها نظراً الى اجماع اللبنانيين حولها، فضلاً عن ترك كل الأسئلة المطروحة في شأن القضاء اللبناني الى القضاء نفسه عملاً بمبدأ فصل السلطات وعدم اتهام مجلس الوزراء في ذلك، مشيراً الى ان مجلس القضاء سيجتمع ويتخذ الموقف المناسب يوم الثلثاء المقبل.
وقبـل وزراء المعارضة بمن فيهم الوزير فنيش بهذا الموقف الذي أذاعه لاحـقاً وزير الإعلام طارق متري.
وإذ أشارت المصادر الوزارية الى ان النقاش اتسم بالهدوء، بعيداً من الانفعال الذي حصل في السجال الإعلامي الذي دار الأربعاء والخميس على شاشات التلفزة، فإنها أوضحت ان السنيورة أدلى بمداخلة طويلة قبل طرح وزراء المعارضة مسألة محاسبة القضاء، مستشهداً بعبارة القاضي بلمار عن أن المعلومات المجموعة لديه غير كافية لاتهام الموقوفين (الضباط) أو استبقاء أي منهم قيد الاحتجاز الآن وأنه في الوقت الحاضر لا ينوي اصدار قرار اتهام في حق أي منهم. وشدد السنيورة على أن قرار الافراج يؤكد حيادية المحكمة واستقلاليتها والتزام لبنان بتسهيل عملها واستجابة مساعدتها وتنفيذ قراراتها فوراً حيث نفذت السلطة اللبنانية القرار الأخير بإخلاء الضباط فوراً. ودعا السنيورة الى عدم تسييس الأمر، لا سيما ان المحكمة لم تعد موضع تشكيك والى ابقائه في اطاره القانوني القضائي واحترام هيبة القضاء الوطني وإبعاده عن السجالات السياسية.
وقال أحد المصادر الوزارية لـ «الحياة» إن وزراء المعارضة اتهموا قضاة لبنانيين، تارة ذكروا أسماءهم وأخـرى لم يذكروها، فـي هجوم «قاس» على هؤلاء، بالخضوع للتأثير السياسي في احتـجاز الـضباط الأربـعة، معتبرين قرار الافراج عنهم ادانة ضمنية لهؤلاء، لكن هؤلاء الـوزراء لم يقترحوا إجراء محدداً لمحاسـبة القضاة، وسألوا كـيف يـتم سـجن الـضباط مـن دون تـوجيـه الاتـهام الـيهم.
وأفاد عدد من الوزراء «الحياة» بأن ردود السنيورة والوزراء الآخرين ركزت على المداخلات السياسية، فشدد العريضي على المغزى من الحملة السياسية التي تقودها المعارضة ضد فريق سياسي لمناسبة اخلاء الضباط ووصفها بأنها استغلال سياسي لعملية قضائية «ليست لمصلحتكم كافرقاء سياسيين ولا لمصلحة البلد، لأنها تؤدي الى تسييس المحكمة التي كنتم تعتبرونها مسيّسة وتتهمون الفريق الآخر بتسييسها». وسأل العريضي: «لماذا تصرون على الهجوم على القضاء وعلى فريق سياسي آخر وتقومون بذلك بمعاكسة اجواء التهدئة غداة تأكيد طاولة الحوار الوطني، التي عُقدت قبل أقل من 24 ساعة، عليها، استناداً الى اتفاق الدوحة الذي تدعون الى التمسك به؟ أليس هذا نسفاً للدوحة وعودة عنه؟ ألا يؤدي ذلك الى نشوء أجواء تحريضية في البلاد تعيدنا الى أجواء سابقة اتفقنا على تجاوزها حفظاً للسلم الأهلي؟».
وأوضح مصدر وزاري لـ «الحياة» أن العريضي انتهى الى القول ان «هناك ايجابية كبيرة حصلت بصدور قرار الافراج عن الضباط، هي أنه على رغم اتهامكم المحكمة بأنها مسيّسة ورفضكم قيامها والاحتكام اليها، أن من طلب المحكمة وعمل لأجلها التزم بقرارها مع انه قرار لا يتلاءم مع توجهه السياسي، فقال صاحب القضية نجل الرئيس الحريري النائب سعد الحريري إنه قبل بالقرار ويقبل بأي قرار يصدر عنها. وانتم على رغم أنها أصدرت أول قرار لها هلّلتم له وقمتم بالاحتفال به، فلماذا طالما هناك تلاقٍ بين اللـبنانيين عـلى الـموافقة على القرار، لماذا لا نترك المحكمة تواصل عملها بناء على هذا التلاقي، من دون تشكيك. فهل حين تتخذ قراراً يعجبنا نقبل به وعـندما تتخذ قراراً لا يعجبنا نشكك به. هل إذا قررت المحكمة استدعاء غازي العريضي غداً نقول ان هذا تسييس ونتهمها بالانحياز… وإذا كنتم تتـحدثون في وسـائل الإعـلام عـن تـضليل للمحكمة من جانب الفريق الآخر فيجب عدم ممارسة التضليل من أي جهة، أنا شخصياً رفضت الأخذ بالحملة التي قامت انـطلاقاً من افادات الشـهود الـذين وجـدوا للـتضليل».
وقال مصدر وزاري لـ «الحياة» ان أبو فاعور تناول تسييس المعارضة لقرار الافراج عن الضباط وأن مداخلات الوزراء الآخرين، لحود وطارق متري وزياد بارود، اضافة الى العريضي، تناولت الجانب القضائي، مشيرين الى أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الذي استند اليه القضاء اللبناني والذي يترك في المادة 108 سقف التوقيف الاحتياطي مفتوحاً (وهي المادة التي تسلح بها القضاء اللبناني من أجل إبقاء الضباط موقوفين)، هو قانون وضع من جانب الفريق السياسي الذي كان حاكماً في المرحلة السابقة على اغتيال الرئيس الحريري، والذي أصر على رفض وضع سقف للتوقيف الاحتياطي في التحقيق بجرائم الإرهاب وأمن الدولة.
وذكّر وزراء الأكثرية الذين كانوا مشاركين في تلك المرحلة في السلطة كيف حصل ضغط على رئيس المجلس النيابي نبيه بري وعلى رئيس الحكومة الشهيد رفيق الحريري بطلب من رئيس الجمهورية السابق إميل لحود والمدعي العام التمييزي آنذاك القاضي عدنان عضوم من أجل اعادة اقرار القانون ثانية، مع إبقاء مهلة التوقيف مفتوحة، بعدما كان تم اقراره في البرلمان مع تحديد لمهلة التوقيف الاحتياطي. وسأل بعضهم: «كيف يكون اعتماد القانون تسييساً عندما يكون خلافاً لمصلحة طرف سياسي ورأيه وننزع عنه صفة التسييس إذا كان تطبيقه يتم في شكل لا يعجب فريقاً سياسياً؟».
وقال بعض وزراء الأكثرية إنه لا بد من القبول بالقانون وتطبيقه الى أن يعدّل وهذا ممكن وفق الأصول…
وذكرت المصادر الوزارية بأن السجال انتهى بالتشديد على مبدأ فصل السلطات وترك أمر البحث في القانون وتطبيقه لمجلس القضاء الأعلى.