#adsense

مناقشة “هادئة وموضوعيّة” لحملة 8 آذار

حجم الخط

مناقشة "هادئة وموضوعيّة" لحملة 8 آذار

كتب صحيفة "المستقبل": بعيداً عن التفاصيل الكثيرة التي يمكن التوقف عندها في أي مناقشة هادئة وموضوعية كالتي دعا إليها السيد حسن نصر الله في مداخلته التلفزيونية أول من أمس، تتركّز حملة 8 آذار على القضاء اللبناني وعلى 14 آذار، في ما يخص موضوع المحكمة الدولية، على ثلاثة معطيات رئيسية، كل منها بحاجة، بدوره إلى مناقشة موضوعية وهادئة.
المعطى الأول، هو أن التحقيق الدولي في ملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري يقتصر على قضية الضباط الأربعة. وبما أن المحكمة الدولية قررت إخلاء سبيلهم، فهذا يعني أن لا شيء في التحقيق الدولي، وأن كل ما قام به التحقيق الدولي منذ أربع سنوات حتى الآن، إنما هو باطل وغير مقبول.

والحقيقة، أن التحقيق الدولي، بحسب ما أورد بلمار نفسه في بيانه يوم إخلاء سبيل الضباط الأربعة، أوسع بكثير من موضوع الضباط الأربعة، وفيه خيوط عديدة، ولا بد أنه توصّل إلى مكان أو أمكنة، بدليل أن بلمار أكد أنه "لو كنت أعتقد أن لا حل لقضية اغتيال الحريري لكنت أول من قال ذلك"، قبل أن يضيف أن التحقيق مستمر، ولو احتاج في سياق هذا التحقيق المستمر أن يستعيد الضباط الأربعة أو أياً منهم إلى التوقيف أو الإدانة، فإنه سيفعل ذلك.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المحكمة الدولية، لما كانت انطلقت أصلا لو لم يؤكد المحقق في حينه بلمار جهوزه للانتقال إلى مرحلة الإدعاء، وبالتالي المحاكمة. كما لا بد من إحالة حملة 8 آذار في شأن خلو التحقيق الدولي من أي شيء، إلى سلسلة التقارير الصادرة عن لجنة التحقيق الدولية والتي تظهر عكس ذلك تماماً ولو من باب العناوين العريضة.

وتنطلق حملة 8 آذار من هذا المعطى الخاطئ الذي يظهر المحكمة الدولية وكأنها تدين كل ما فعله التحقيق الدولي بمجرد إخلاء سبيل الضباط الأربعة، لتنقضّ على القضاء اللبناني بتهمة أنه ألحق ظلما بهم بمجرد أنه قام بتوقيفهم، بينما كان يعرف أن لا شيء في التحقيق يطالهم. وهنا، لا بد من التذكير بأمر بالغ الأهمية، اليوم وغدا، وكما كان بالأمس، وهو أن التحقيق الدولي كان مطلعا على كل ما بحوزة القضاء اللبناني من معطيات، وليس العكس. أي أن التحقيق الدولي، الذي عمل في سوريا عدة مرات وطلب منها كمية كبيرة من الوثائق، وذهب إلى فيينا لاستجواب ضباط سوريين كبار، كما أنه عمل في عدد كبير من الدول في الخارج، وقد يكون استحصل على وثائق أمنية وجمركية ومالية وهاتفية وصورا بالأقمار الصناعية منها جميعا أو من أي واحدة من هذه الدول، لم يطّلع القضاء اللبناني مرة واحدة على هذه المعلومات. وبالتالي، عندما أوصى التحقيق الدولي القضاء اللبناني بتوقيفهم، كان من حق هذا القضاء، لا بل من واجبه، أن يفترض أن كل هذه المصادر المتنوعة للمعلومات والوثائق قد تكون وفّرت سببا لمثل هذه التوصية، هذا بغض النظر، ومن دون أن نكون مطّلعين لما كان بحوزة التحقيق اللبناني من معطيات بشأنهم، ومنها ما تردد حول العبث بمسرح الجريمة، والحسابات المصرفية وحركتها، وأمور أخرى مثل أبو عدس الذي يمثّل التفخيخ الحقيقي للتحقيق، وكل مَن زرعه لاحقاً القتلة من هسامات. ينتظر آل الحريري قبل غيرهم بفارغ الصبر ما ستيبيّن بشأنهم في جلسات المحاكمة قريباً.

انطلاقا من هذه النقطة، وقع القضاء اللبناني في معادلة مستحيلة. موقوفون لا يمكنه محاكمتهم، لأن المحاكمة دولية، ومحاكمة دولية تتأخر بفعل رفض 8 آذار إقرارها في الحكومة اللبنانية والبرلمان اللبناني، وقيامها بكل الخطوات المعروفة لإعاقتها، بما فيها الهجمة الإعلامية والسياسية الجارية حاليا. لكن القضية، وهي للتذكير، اغتيال رفيق الحريري، وحساسيتها التي تهدد في كل لحظة بإيصال البلاد إلى أزمة وطنية، أظهر فريق 8 آذار أنه لا يمانع حصولها، وما زالت تصرفاته اليوم تظهر ذلك، جعلت القضاء اللبناني يتحمل مسؤوليته القانونية الكاملة، ويرفع مسؤولية الأزمة الوطنية عن نفسه، معتبرا أن القضاء الدولي هو المسؤول عن البتّ بمصير الضباط الأربعة، تماما كما كان التحقيق الدولي هو المسؤول عن توقيفهم. فلنتخيل لحظة لو أن القضاء اللبناني أخلى سبيل الموقوفين الأربعة قبل فترة، لتعود المحكمة الدولية وتطلب مثولهم أمامها فيكون أحدهم قد غادر البلاد وأصبح في سوريا مثلا؟

وبالتالي فإن مسؤولية القضاء اللبناني اقتصرت على ضمان وصول الضباط الأربعة إلى عهدة المحكمة الدولية، والمسارعة إلى تنفيذ ما طلبته هذه المحكمة عندما طلبت إخلاء سبيلهم.

أما المعطى الثالث، الخاطئ في حملة 8 آذار، فهو تصوير آل الحريري بصفتهم المحققين والقضاة وأصحاب القرار في كل تفاصيل هذه القضية، وتحميل 14 آذار مسؤولية اقتصار التهمة والتحقيق على النظام السوري فيها.

والحقيقة هنا، مرة جديدة، أن آل الحريري بصفتهم المعنيين الأُوَل بقضية اغتيال الرئيس الحريري قالوا منذ اللحظة الأولى إنهم يتركون الأمر كاملا للتحقيق الدولي والمحكمة الدولية ويقبلون كل ما يصدر عنهما من دون تدخل أو نقاش. وهذا ما أثبته النائب سعد الحريري يوم إخلاء سبيل الضباط الأربعة. أما في ما يخص اقتصار التهمة على النظام السوري، فهو خلط لا يمكن إلا أن يكون مقصودا بين الاتهام السياسي الذي وجّهه الشعب اللبناني منذ اللحظة الأولى، بما فيه جمهور 8 آذار، قبل أن يأتي هذا التاريخ ومعه تلك التسمية، بفعل المناخ السياسي والأمني الذي أرخاه النظام السائد ورموزه المحتفى بهم اليوم، في تلك الحقبة، وبين التهم القانونية التي هي من مسؤولية المحكمة الدولية والتي لا يمكن لأحد أن يعرفها أو يعرف وجهتها قبل أن يقوم الإدعاء، وهو ليس متوقعا قبل نهاية هذا العام بحسب المراقبين. أما القول بأن الفرضية الإسرائيلية لم تطرح في أي لحظة، فهو يفترض اطلاعا على كل ما قام به التحقيق الدولي حتى الآن، وما سيقوم به لاحقا، وهو اطلاع ليس في متناول أحد حتى الساعة. تماما كما أنه ليس في متناول أحد حتى الساعة معرفة ما إذا كان التحقيق الدولي في الخيوط العديدة التي ذكرها المدعي العام بلمار، يستوفي أو يفتقر إلى شروط الموضوعية والعلمية التي يجري وضعها عليه.

أما إذا كان الكلام عن فرضية سياسية، فقد كرر النائب سعد الحريري في مناسبات عدة علنية أنه يتمنى أن يثبت التحقيق أن اسرائيل هي من قتلت والده، مناشدا معرقلي المحكمة الدولية أن يساهموا في تسريع عملها عوضا عن إعاقته ليسمحوا لهذه الأمنية أن تصبح فرضية قانونية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل