بأي حق يجري تنصيب قاضي قضاة على العدالتين اللبنانية والدولية؟
اتجاه واحد للاتهام السياسي.. فقط لا غير
الإتهام السياسيّ حقّ مارسته الكتلة الإستقلاليّة من الشعب اللبنانيّ، لا سيّما في 14 آذار 2005، يوم أجمع أكثر من مليون ونصف المليون لبنانيّ على توجيه الإتهام في وجهة سياسية معيّنة، بعد شهر على جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
منذ أربع سنوات وإلى اليوم، ثمة من ينكر على اللبنانيين حقّهم في توجيه الإتهام السياسيّ. وثمة من يعرض عليهم بدلاً من ذلك الغوص في جدال سفسطائي حول "كل الفرضيات الممكنة"، علماً أن صاحب العرض السخيّ هذا يستثني نفسه دائماً من "الفرضيات الممكنة". منذ أربع سنوات، ثمة من يفتري على الإتهام السياسيّ ويصوّره على أنّه محض إختلاق أو إفتراء.
لأجل ذلك، فلا بدّ من إعادة الإعتبار للإتهام السياسيّ كحقّ وواجب، وكمصدر شرعية أكيد للحركة الإستقلالية بوجه الحرب السرّية التي استهدفتها ولا تزال.
وهذا الإتهام ليس مجرّد وجهة نظر أو تخمين أو مفاضلة بين احتمالات. إنّه بمثابة تصنيف منهجيّ للإغتيالات التي طاولت رموز الإستقلال الثاني: فهذه الإغتيالات، لا سيما جريمة 14 شباط 2005، يستحيل أن تقوم بها كائنات "متسلّلة" من ما وراء البحار، ولا يمكن إلا أن تتولاها من ألفها إلى يائها جهات "متسيّدة" تماماً على الأرض، خاصة وأنّها جهات متابعة ومطوّرة بشكل حيوي لأحدث ما توصّلت إليه تقنيات التفجير والقتل، بل تجري مفاخرة بعض هذه الجهات بذلك في مواضع أخرى.
والإتهام السياسيّ من هذه الناحية لا يكتفي بإفساح المجال للمسار القضائي لأن يأخذ مجراه. إنه إتهام يرشد اللبنانيين إلى ما ينبغي فعله، في انتظار أن يقول المسار القضائي كلمته الأخيرة. عندما تكون الجريمة سياسية، لا يمكن تأجيل الإتهام السياسيّ إلى حين إذاعة النتيجة القضائية. وكلّما كان المسار القضائيّ معقّداً كلّما كان الإتهام السياسيّ يؤكّد على بساطته ووضوحه: إذا تعقّد المسار القضائي فهذا يكشف دور الجهات "المتسيّدة" على مكان حصول الجريمة في عرقلة إجلاء الحقيقة.
لكن الإتهام السياسيّ شيء والحكم القضائي شيء آخر. الأوّل لا يلغي الآخر ولا يصادر عليه. والثاني لا يلغي الأوّل حتى ولو لم يتوصّل إلى إثباته. تثبيت الإتهام السياسي بالحكم القضائيّ يقوّيه دون شك، لكن الإتهام السياسيّ يبقى كليّ الراهنية والصلاحية وسنداً أساسياً للمسار القضائيّ طالما أن هذا المسار لم يصل أو لم يصل بعد إلى لحظة الكشف عن الحقيقة.
الإتهام السياسيّ هو نقيض الإفتراء. مهمّته أوّلاً أن يحدّد طبيعة الجريمة، ومهمّته ثانياً الربط بين الضحية والجريمة: فإذا كانت الضحية سياسية والجريمة بحقها سياسية لزمت مساءلة "الخصم" السياسي للضحية قبل أي مساءلة أخرى، خاصة وإن كان خصماً لا يتعاطى إلا الأمن!!
والإتهام السياسيّ هو الحقّ في عدم تضييع المسؤوليات وراء سفسطائية "البحث في كل الإفتراضات" كما أنّه حقّ أهل الضحية السياسية في الحقيقة وفي العدالة، ذلك ضمن الحدود الزمنية لجيلهم الحاضر هذا، وأياً كانت المدة اللازمة تقنياً لإنضاج المسار القضائيّ.
والإتهام السياسيّ بالنسبة للشعوب التي تحارب وصاية أجنبية يفرضها شعب آخر أو نظام آخر عليها هو إتهام يعادل حقّها في تقرير المصير. فليس صحيحاً أن لبنان يعاني منذ أربع سنوات من إنشقاق بين "إتهامين سياسيين ممكنين"، أحدهما يستعجل إصدار الحكم والآخر يفضّل التأني. الصحيح أنّه ثمّة إتهام سياسيّ يواجهه الفريق الآخر بأن ينصّب نفسه في المقابل قاضي قضاة على العدالتين اللبنانية والدولية. يطالب بأن يسلّم الأدلة والقرائن من دون أن يسأله أحد من أين له هذا الحق، وبأي صفة.