طعن نصرالله في المحكمة ناقض التزام وزيره بيان مجلس الوزراء
التوظيف المتمادي لإطلاق الضباط يثير محاذير على التهدئة والانتخابات
أثارت الكلمة التي القاها الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بعد 48 ساعة من اطلاق الضباط الأربعة مزيدا من الانطباعات الساخنة في شأن تداعيات هذا التطور، مع تمادي قوى 8 آذار في توظيفه سياسيا الى حدود كبيرة، كما اختصرها رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط بالتحذير من ابراز ملامح عودة نظام الوصاية السوري.
وبينما اختلفت القراءات لهذه الكلمة، ما بين النبرة الهادئة التي استخدمها السيد نصرالله من جهة، وتصعيد السقف السياسي حيال المحكمة الدولية من جهة اخرى، لم يُخْفِ مصدر وزاري بارز في قوى 14 آذار استغرابه منحى هذه الكلمة غداة جلسة مجلس الوزراء التي شهدت تسليما باعتبار هذه القضية في حكم المنقضية، وبموافقة وزير " حزب الله" محمد فنيش على البيان الذي صدر عن الجلسة واجمع فيه المجلس على تأكيد احترام قرارات المحكمة الدولية وترك القضاء يعلن الموقف المناسب في اجتماعه الاستثنائي الذي سيعقد الثلثاء المقبل . ويقول المصدر ان هذا البيان صدر على خلفية تساؤلات طرحت في الجلسة وخارجها حول المدى الذي تريد عبره قوى 8 آذار توظيف اطلاق الضباط: فهل يبلغ هذا المدى حد تعطيل الانتخابات النيابية المقبلة، او التسبب بتوترات كبيرة تطيح كل المصالحات التي حصلت في البلاد قبل اتفاق الدوحة؟ عند هذه التساؤلات سمع الوزراء اجوبة واضحة فحواها ان هذه القضية بلغت حدودها، ولن تكون هناك أي اهداف تتجاوز ما حصل، وان الضباط المفرج عنهم احرار في ان يرفعوا دعاوى، وهذا شأنهم . ويضيف المصدر: "لذلك برز استغراب للغة المزدوجة التي تقول بانهاء الضجة الحاصلة من جهة، وعدم النية لتوظيفها لا في الانتخابات ولا في السياسة من جهة، في مقابل معاودة التصعيد السياسي والاعلامي عبر تهديدات غير مسبوقة يطلقها حلفاء لـ" حزب الله" ولسوريا، وتتخذ طابع الانذارات بعمل انقلابي كامل وتصفية حسابات سياسية وشخصية وقضائية، مما يشكل خطورة لاستفزازه فئات لبنانية اخرى لم يتأخر رد فعلها عن الصدور، ويخشى ان يصدر مزيد من هذه الردود ما لم يوضع حد لموجة الاستفزاز".
وسط هذا المناخ لم تجد النبرة الهادئة للسيد نصرالله في كلمته طريقا كافيا لتبديد الانطباعات السلبية والتصعيدية، وخصوصا لأنها اقترنت بموقفه من المحكمة الخاصة بلبنان لجهة نعي ثقته بها نهائيا وإطلاقه مواقف توحي بوضوح انه يريد الاحتفاظ المسبق بهامش التشكيك بأي قرار يصدر عنها لاحقا، علما ان قوى 14 آذار لم تكتم املها في ان يشكل قرار الافراج عن الضباط الاربعة عامل قوة بالاجماع على المحكمة مستقبلا . وبذلك يكون موقف السيد نصرالله، وفق مراقبين للانقسام حول المحكمة الى الطاولة، كأنها ولدت امس، أو كانها لا تزال في اطار طور الصراع العنيف الذي نشب حولها عام 2005 . فالسيد نصرالله يدرك جيدا ان هذا القرار قد يقود الى قرارات اخرى لاحقا لا يمكن الجزم انها سترضي قوى 8 آذار وحلفاءها الاقليميين على غرار مما شكّل اطلاق الضباط ورقة قوية لها لتوظيفها ضد قوى 14 آذار والقضاء اللبناني.
وثمة من يعتبر او يخشى في قوى 8 آذار ان تكون هذه الخطوة بمثابة فخ لا يمكن التسليم بإطاره الظرفي قبل معرفة الإطار الأوسع للتحقيق والذي اشار اليه بوضوح المدعي العام الدولي دانيال بلمار، لافتاً الى ان التحقيق هو أوسع بكثير في إطاره من قضية الضباط . ولذلك عاد السيد نصرالله، في رأي المراقبين، الى الطعن في اساس نشوء المحكمة التي رفضها اصلاً واعتبرها مسيّسة، لانها لم تنظر في التحقيق الا من زاوية اتهام سوريا، وعاد الى طلب توسيع الاحتمالات في التحقيق كي تشمل فرضية اتهام اسرائيل بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الامر الذي رأى فيه هؤلاء تلويحا ضمنيا بان التهدئة في لبنان مرتبطة باخذ التحقيق الى مكان آخر غير سوريا، وان صدقية المحكمة محكومة بان تتوجه الى غير الاتجاه الذي تسلكه تحت طائل رفض كل قراراتها.
في اي حال، يقول مراقبون ان مسألة التهدئة الداخلية قفزت في الساعات الاخيرة الى صدارة الاولويات في ضوء اعتمال مضاعفات سلبية عميقة لا بد ان يكون " حزب الله" اخذها في الاعتبار، نظرا الى حساسية المناخ الذي فجّره استغلال خطوة اطلاق الضباط مع تجاوز سياسيين كثر محسوبين على سوريا مباشرة حدود موقف الحزب نفسه . فمعلوم ان هذه الاصوات التي راحت تبشّر بتصفية الحسابات بلغة لم تخل من التهديد، قد اثارت عصبية كبيرة يُخشى تفاقمها لدى الفئات المختلفة في قوى 14 آذار وخارجها باعتبار ان كثيرين ينفرون من رؤية رموز الوصاية السورية يعودون الى الواجهة بكامل عدتهم السياسية والامنية، وخصوصا باستحضارهم خطاباً كان سائدا في حقبة الوصاية السورية ويرمز الى واقع قمعي . وهذا الامر لا يُعتبر مكسبا لقوى 8 آذار على الاطلاق، لا بل ينذر بمعايير معاكسة في الانتخابات النيابية ويتصل ايضا بالوضع الامني، لان الخشية من تصاعد التوترات على وقع التوظيف السياسي ستشكل عامل احراج جديدا للقوى الامنية وتضع الانتخابات وامنها على المحك، كما تحمّل هذه القوى مسؤولية ما يمكن ان يحصل قبل الانتخابات وخلالها امام الداخل والخارج معا، الذي طاله من الرسائل في خطاب السيد نصرالله ما طال الداخل.