#adsense

ظلم الضباط·· من ذوي القربى!

حجم الخط

ظلم الضباط·· من ذوي القربى!

لا اعتراض على قرار المحكمة الدولية بإنهاء توقيف الضباط الأربعة بعد ثلاث سنوات وثمانية أشهر من التوقيف بناء لقرار من لجنة التحقيق الدولية ورئيسها الأوّل ديتليف ميليس·
لا اعتراض على احتفال عائلات الضباط بعودة الموقوفين إلى بيوتهم، من دون قيد أو شرط من قبل المحكمة الدولية·
ولا اعتراض على الفرحة التي عمّت المستقبلين من الأصدقاء والأنسباء والأنصار ساعة وصول الضباط المُفرج عنهم إلى منازلهم·

ولكن الاعتراض، كل الاعتراض، على عملية تسييس قرار المحكمة الدولية بالإفراج عن الموقوفين الأربعة، وتحويل هذه الخطوة الموضوعية والحيادية، والمهنية والقضائية من قبل المحكمة، إلى منصّة سياسية مهزوزة، تُطلق عبرها الاتهامات، وتُستعاد من خلالها لغة التجريح والتشهير والتخوين، ويُراد بواسطتها ممارسة سياسة الضغط والتهويل على الآخر، الذي عليه أن يرضخ لأصحاب الخطاب السياسي المتوتّر ومطالباتهم بضرب مؤسّسة القضاء، وإلا الويل والثبور وعظائم الأمور في الشارع من جديد!!·

* * *
رغم أن جراح السابع من أيار الأسود ما زالت تنزف في النفوس، وأن نجاح جهود إزالة آثارها من القلوب تحتاج إلى المزيد من الحكمة والهدوء، لا سيما وأن ذكراها الأولى على الأبواب هذا الأسبوع، فإن العودة إلى أساليب أيار 2008، وما قبل أيار، ومحاولة فرض رأي فئة، أو جماعة، أو حزب على الأكثرية الساحقة من اللبنانيين باستخدام القوة والسلاح، والتهويل بالنزول إلى الشارع والاعتصام في الساحات، إن العودة إلى تلك الأساليب تعني، وبكل بساطة، العودة إلى المربّع الأول للأزمة التي حاول اتفاق الدوحة لملمة شظايا انفجارها في أيار الأسود، وإخراج الصراعات الساخنة من الشارع، وحصر الخلافات السياسية في المؤسسات الدستورية، واعتماد الانتخابات كوسيلة ديمقراطية وحضارية، لحسم الخيارات الوطنية·

وإلا ماذا تعني هذه الحملة الشعواء والمتصاعدة على القضاء الذي يشكّل المدماك الأساسي في بناء الدولة؟·

لماذا هذه المطالبة المفاجئة والموتورة بتنحية قضاة عُرفوا بنزاهتهم، واشتهروا بموضوعيتهم وخبرتهم وعلمهم؟·

مَن يتحمّل مسؤولية تهديد بعض أصوات المعارضة بالنزول إلى الشارع، ومحاصرة قصر العدل، والاعتصام في الطرقات والساحات المحيطة به، حتى يستقيل القاضي الأول سعيد ميرزا ويحمل معه قاضي التحقيق صقر صقر؟·

* * *
قد يكون لحق بالضباط الأربعة <بعض الظلم> بسبب طول فترة التوقيف، والتي يبدو أنها تمت وفق قانون أصول المحاكمات الذي لا تحدد المادة 108 منه فترة التوقيف، على خلاف ما هو حاصل في نظام المحكمة الدولية، وغيرها من الأنظمة القضائية في دول أوروبية وأنكلوساكسونية أخرى·

ولكن هل رَفْع الظلم يتم عبر النزول إلى الشارع، أم من خلال اللجوء الى القضاء؟·

ولا بد من القول بأن تركيز الحملة الشعواء على المدّعي العام سعيد ميرزا، وما يشكّل في تاريخه المعروف من رمز قضائي ووطني، من شأنه أن يُحوّل شكوى بعض الضباط من الظلامة التي لحقت بهم، إلى مشروع فتنة جديدة، تذكرنا بالحملة التي استهدفت آمر أمن المطار العميد وفيق شقير، والذي تحوّل بين ليلة وضحاها إلى <خط أحمر> فجّر الاقتراب منه أحداث 7 و8 و9 أيار في بيروت والجبل، والتي ما زلنا نعيش ارتداداتها المدمرة حتى اليوم·

ولعل الاجتماع العاجل والطارئ لمجلس القضاء يُساعد على إخراج هذه القضية الشائكة من حساسيتها السياسية والمذهبية المفرطة، ويسحب تداولها من البازار الانتخابي، ويُعيدها إلى ميدانها الطبيعي ضمن المؤسسة القضائية الأولى·

لقد علّمتنا تجارب الصراعات والحروب المريرة، أن الخطأ لا يُعالج بخطأ أكبر، وأن الظلم، إذا كان ثمة ظلم، لا يُعالج بظلم أفدح، وبالتالي إذا كان الضباط يشكون من ظلم لحق بهم من جراء هذا التوقيف الطويل على ذمة التحقيق، فإن القضاء نفسه هو المرجع لمحاسبة من كان المسبّب لهذا الظلم، إذا ثبت، وفق الأسس القانونية والأصول القضائية المرعية الإجراء، وليس بالنزول إلى الشارع، ولا عبر حملات التشهير والتجريح·

* * *
أما الجانب الآخر لقرار إطلاق الضباط الأربعة، فتمثّل بتأكيد حيادية ومهنية المحكمة الدولية، وسقوط ادعاءات تسييسها وما رافقها من الهواجس السياسية التي أطلقت العنان لأحداث أمنية خطيرة طوال الأعوام 2004 و2007 و2008، إلى جانب الاعتصامات في وسط بيروت، والاحتكاكات الساخنة في شوارعها، فضلاً عن إقفال مجلس النواب طوال عام ونصف العام·

وأشاع إعلان النائب سعد الحريري قبوله قرار المحكمة وتأكيده على سقوط <تهمة> التسييس للمحكمة، جواً من الارتياح في الفضاء اللبناني، سرعان ما انخفض منسوبه مع إعلان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله اعتراضه المسبق على أي قرار يصدر لاحقاً عن المحكمة إذا لم يطّلع على الحيثيات والمعطيات والمعلومات التي استوجبت اتخاذ أي قرار جديد·

وكأن السيد نصر الله يُريد أن يشارك قضاة المحكمة الدولية مهماتهم، ويطّلع على كل ما توصل، أو سيتوصل له التحقيق ال

دولي، ويكون في صلب القرارات الجديدة للمحكمة الدولية· ولا ندري أين يقع مثل هذا الموقف المفاجئ، مع الدعوة التي أطلقها الأمين العام لحزب الله في كلمته بُعيد إطلاق الضباط، والتي دعا فيها إلى استعادة الإجماع الوطني حول المحكمة الدولية وكشف حقيقة جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، على نحو ما كان سائداً في الجلسات الأولى لطاولة الحوار قبل حرب تموز 2006، والذي انقلب رأساً على عقب بعد الحرب، وبعدما وصل مشروع إنشاء المحكمة إلى مجلس الوزراء، وخروج وزراء الثنائي الشيعي من الحكومة ثم استقالتهم منها، والنزول إلى ساحات الاعتصام ومحاصرة السراي الكبير·

* * *
إن دعوة استعادة الإجماع الوطني حول المحكمة مبادرة وطنية، وتستحق بذل المزيد من الجهود والمساعي لتحقيقها، ولكن منطق هذه المبادرة يتعارض مع اعلان الرفض المسبق لكل قرار جديد يصدر عن المحكمة إذا لم نطلع على حيثياته ومعطياته·

مرّة أخرى···

إن فرحة الضباط الأربعة وعائلاتهم بإطلاق سراحهم مفهومة ومبرّرة، بل ورحّب بها نجل الشهيد الكبير رفيق الحريري··· ولكن أن تتحول هذه المناسبة إلى مادة رخيصة في البازار الانتخابي، فهو الظلم بعينه للذين يشكون من ظلم خصومهم طوال السنوات الماضية، ويتعرّضون اليوم لاستغلال وظلم ذوي القربى··· الذي يبقى أشد مرارة وأكثر لؤماً!!·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل