المرتكزات الخاطئة لنصر الله في "حكمه" على التحقيق الدولي
في إطلالته التلفزيونية الأخيرة، نصّب السيد حسن نصر الله نفسه قاضياً مخولاً الحكم على نزاهة قضاة التحقيق الدولي الثلاثة؛ ميليس وبراميرتس وبلمار. قال: "بالنسبة لرئيس لجنة التحقيق الأول هو مدان، والثاني مدان"، أما بلمار فالحكم عليه يتوزع بين ثلاث مراحل، الأولى هو "مدان" فيها، والثانية موقفه فيها "سليم"، والثالثة "لا نعرف عنها شيئاً بعد"!!.
لم يكتف نصر الله بذلك بل جعل نفسه مرجعاً لتمييز قرارات المحكمة الدولية، بحيث يقبل أو يرفض ما يراه من أحكامها، قائلاً "أرجو ألا يطالبنا أحد مسبقاً بأن نقبل أي شيء يصدر عن المدعي العام أو عن التحقيق الدولي أو قضاة المحكمة"!.
لم ينتبه السيّد نصر الله، في معرض "حكمه" على بلمار وقراراته، أن بلمار الأول ـ كما أسماه ـ هو نفسه بلمار الثاني والثالث، لأن المنطق القانوني يقول إن أي ادعاء إنما يُبنى على تحقيق، وإذا كان التحقيق كله مداناً برأي السيد نصر الله، فسينسحب ذلك بالضرورة على الادعاء، فكيف إذا كان المحقق هو نفسه المدعي العام!. وإذا كان الأمر كذلك، فإن نصر الله، سواء قصد أو لم يقصد، "يقضي" وفق مرتكزاته الخاصة، برفض نتائج التحقيق من أساسها، وبرفض قرارات المحكمة الدولية كلها مسبقاً، وليس أدل على ذلك أنه في "مطالعته" الطويلة لم يتكلم بشيء عن مذكرة التفاهم مع المحكمة الدولية العالقة في "شِرك" الثلث المعطل، منذ قيام المحكمة.
وبغض النظر عن مناقشة مدى صلاحية السيد نصر الله أو غيره، للحكم على نزاهة ومهنية المئات من المحققين الدوليين ومساعديهم، فإن ثمة مرتكزات خاطئة، اعتمد عليها، تحسُن مناقشتها بهدوء.
"فبركة" الشهود
من خلال "مطالعته" التلفزيونية، بدا السيد نصر الله متأثراً جداً بالكلام الكثير الذي يُنشر في المدوّنات، وعلى أوراق الصحف الصفراء، بخصوص ما اسماه "فبركة" الشهود، خلافاً لسِمات أي "حكم عادل". ذلك أنه لم يرد في أيٍ من تقارير المحققين الدوليين الكثيرة، ولا حتى في قرار قاضي ما قبل المحاكمة المتعلق بالضباط الأربعة، أي ذكر لشهود "مفبركين" اعتمد عليهم التحقيق. الحديث عن الشهود المزورين غير موجود إلا في ما تبثه وسائل الإعلام السورية وتلك المؤيدة لها في لبنان أو العالم. محمد زهير الصديق الذي ذكره نصر الله ليوحي بأن التحقيق الدولي ارتكز عليه كشاهد ملك، لم يهتم بأمره بلمار، ولا المحققون من قبله، وشهادته أصلاً لم ترد في تقارير التحقيق الدولي، ولم يصفه أحد منهم بأنه شاهد ملك. تقارير التحقيق الدولية كلها تقريباً تحدثت عن عشرات من الشهود الذين استجوبتهم، وكلها أكدت على إبقاء أسمائهم سرية حرصاً عليهم وعلى سلامة التحقيق، فمن أين عرف السيد نصر الله أياً من الشهود اعتمد عليهم المحققون الدوليون، حتى يقول إن التحقيق استند إلى شهود "مفبركين"؟! وهل تكفي توصية بلمار بتخلية الضباط الأربعة دليلاً على أنه ومن سبقه كان يعتمد على شهود "مفبركين"، إذا كان بلمار نفسه قبِل بأن يتحول إلى مدعٍ عام في هذه القضية؟! إذ كيف سيكون مدعياً عاماً في قضية قامت على أساس شهود زور كما يقول نصر الله؟!
التحقيق مضلل ولا نتائج فيه
يقول السيد نصر الله "إن من ضلل التحقيق أربع سنوات يمكن أن يضلله مئة سنة". بهذه العبارة "حكم" نصر الله على التحقيق الدولي بأنه كان مضللاً طيلة أربع سنوات بلا بيّنة، سوى تخلية سبيل الضباط الأربعة. وزاد نصر الله على ذلك بأن "المعلومات المتوفرة لدينا من جهات عديدة تؤكد للأسف الشديد أن الآذان والأبواب ما زالت مفتوحة أمام هذا الصنف من الناس (أي المضلِلين)". واستناداً إلى ذلك فقد دعا نصر الله اللبنانيين إلى عدم تضييع "الوقت الذي أضعناه خلال أربع سنوات"!. مع العلم أن بلمار نفسه قال في بيان مكتوب يوم تخلية الضباط حرفياً إن "التحقيقات أكبر من قضية الضباط الأربعة"، مضيفاً: "الخيوط التي تقود التحقيقات كثيرة، وإنني لو وجدت استحالة في حل القضية، لقلت ذلك أولاً وشخصياً". ومعنى ذلك أن التحقيق لن يعود إلى بدايته، وأنه ليس مضللاً، وأنه يملك حل هذه القضية، وهو يحتاج لوقت إضافي لتوجيه الاتهام المستند إلى أدلة دامغة. وذلك خلافاً لما ذهب إليه السيد نصر الله.!
لكن وبما أن نصر الله قد دعا إلى محاسبة شهود الزور، وبما أنه يملك معلومات تخوّله معرفة تحركات هؤلاء ومشغليهم في لبنان وهولندا، كما قال هو نفسه، فلماذا لا يخبر الشعب اللبناني عن محاولات المخابرات السورية "فبركة" رواية حول لؤي السقا، الموقوف في تركيا، لتضليل التحقيق؟!. ولماذا أوقف إعلامه وإعلام 8 آذار دعايته المضللة عن فيصل أكبر ومجموعة الـ 13 التي كان يراد لها أن تلبس جريمة اغتيال الحريري، فإذا بهؤلاء يتعرضون لتوقيف يوازي توقيف الضباط الأربعة، لكن وبما أن القضاء خلص إلى عدم تورطهم بهذه القضية، لم يُحلهم إلى المحكمة الدولية (وكان هذا من تعاسة حظهم لأن بعضهم ما زال في السجن إلى اليوم). وتالياً لماذا لا يخبرنا نصر الله كيف سمحت السلطات السورية بدخول خالد طه إلى أراضيها بوثائق مزورة؟ وما معنى أن تفتح قناة "المنار" الهواء لميشال سماحة لمهاجمة القضاء اللبناني، وهو الذي ثبت زيف كلامه عندما ادعى أن فلاناً وفلاناً من الناس (وقد سماهم) قاموا بقتل محمد زهير الصديق (وقد رفع عليه هؤلاء دعوى قضائية)، ليتبين بعد ذلك أن الرجل حي يرزق؟!. ولماذا لا يخبرنا نصر الله، بناءً على معلوماته، من أرسل السوري هسام هسام إلى لجنة التحقيق الدولية ليدلي بإفادته ثم يتراجع ويفر إلى سوريا ويصبح بطلاً هناك، بدل أن يحاسب؟!. وكيف يفسر لنا ظهور هسام في مسرح جريمة اغتيال جورج حاوي؟!. وماذا عن شهادة السوري إبراهيم جرجورة، الذي أوقفه القضاء اللبناني، في كانون الثاني 2006، بجرم تضليل التحقيق من خلال إعطاء شهادة كاذبة؟!، وما هي علاقة تيار المردة بذلك؟!. إن من ينصّب نفسه فوق قضاة التحقيق والمحكمة الدولية لا بد أن يوضح للرأي العام حقيقة هذه الأمور أولاً.
توجيه الاتهام إلى جهة واحدة
يقول السيد نصر الله: "افتحوا كل الاحتمالات وكل الخيارات. أربع سنوات ركب التحقيق على سكة واحدة ولم يكن مسموحاً أن يذهب إلى مكان آخر". وذلك في معرض دعوته إلى الأخذ بفرضية أن إسرائيل قتلت الحريري. وهنا استند نصر الله أيضاً إلى مرتكز خاطئ تماماً إذ اعتبر أن لجان التحقيق لم تبحث إلا في فرضية واحدة.
يقول سيرج براميرتس في تقريره الرابع الصادر في كانون أول 2006، ما نصه: "إنّ اللجنة تواصل عملها على سيناريوات عدّة في فحصها لدوافع اغتيال الحريري"، وفي التقرير نفسه يذكر العديد من الدوافع التي تشير إلى جهات مختلفة. وفي ذلك رد واضح من قبل محقق، أثنى النظام السوري وفريق الثامن من آذار على مهنيته، ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر موقف فيصل المقداد في مجلس الأمن عندما أشاد "بما تميز به تقرير المحقق الدولي سيرج براميرتس من موضوعية وحرفية". وبما قاله وزير الإعلام السوري محسن بلال في 25ـ11ـ2006 من "أن سوريا تثق بمهنية المحقق الدولي براميرتس" (وهو التصريح نفسه الذي وجه فيه بلال اتهاماً سياسياً إلى سمير جعجع دون أن يسميه باغتيال الوزير بيار الجميل).
الاتهام السياسي
يقول السيد نصر الله "إن اللبنانيين أجمعوا على وجوب معاقبة القتلة أيّا كانوا… لكن اختلف اللبنانيون على الإتهام السياسي". وبرأي نصر الله أن سبب كل المشاكل التي أعقبت اغتيال الحريري كان في الاتهام السياسي، وهذا المرتكز غير صحيح أيضاً، لأن الخلاف كان على جهة التحقيق القادرة على الوصول إلى الحقيقة، باعتراف نصر الله نفسه، وتالياً فقد خيضت معارك كبيرة من قبل فريق الثامن من آذار، لتجنب قيام المحكمة الدولية، الأمر الذي أوصلنا إلى الانقسام والفتنة الخطيرة التي يعاني منها لبنان، ولا داعي هنا للتفصيل باعتبار أن المخاض الذي سلكته المحكمة معروف، وقد تبيّن، بكل أسف، أن ليس ثمة إجماع حقيقي على كشف قتلة الرئيس الحريري ـ أياً كان القاتل ـ، من الأساس!.
من جهة أخرى، فإن الاتهام السياسي ـ بمعنى توجيه الاتهام لجهة سياسية قبل المحاكمةـ، كان وما يزال موجوداً، في كل قضية ذات طابع سياسي، في لبنان وفي العالم. وكما أن "حزب الله" نفسه وجه اتهاماً سياسياً، أي قبل أي تحقيق، إلى العدو الإسرائيلي بُعيد اغتيال عماد مغنية، فإن من حق النائب سعد الحريري، وهو ولي الدم، أن يوجه اتهاماً سياسياً لمن يعتبره متورطاً بقتل أبيه. وهنا يجب أن لا ننسى أن فريق 8 آذار كان يبادر بعد كل جريمة اغتيال تطال أحد الرموز السياسية في لبنان، إلى توجيه الاتهام السياسي إلى فريق 14 آذار، بمبررات شتى!!.
مقارنة أخيرة للتفكر!
كم كان النائب سعد الحريري مسؤولاً، ومتواضعاً، ومتجاوزاً لمشاعره الشخصية، عندما قال في معرض تعليقه على قرار القاضي فرانسين: "أنا سعد الحريري… أرحب بأي قرار يصدر عن المحكمة الدولية، سواء تعلق بمصير الضباط أو أي أمر من اختصاصها". وكم ظهر السيد حسن نصر الله متعالياً، في إطلالته الأخيرة، عندما نصّب نفسه قاضياً فوق القضاء اللبناني والدولي!.